ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (٢): معنَى كلمةِ الإسلامِ وأهمّيّةُ هذا المعنَى وبيانُ النّبيِّ ﷺ له

«فصل» (٣): الأمرُ بتوحيدِ العبادةِ في القرآنِ وقولُه تعالَى ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وهو أوّلُ أمرٍ في كتابِ اللَّهِ

قد سبقَ أنّ النّبيَّ ﷺ بيّنَ معنَى الإسلامِ بتوحيدِ العبادةِ، وأمّا كتابُ اللَّهِ تعالَى فإنّه يدورُ على بيانِ التّوحيدِ كلُّه، إذ هو رسالةُ الأنبياءِ وسببُ إرسالِهم وإنزالِ كتبِهم عليهم السلام، كما قال تعالَى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ١ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ ٢﴾ [هود: ١-٢]، وسيأتِي بيانُ ذلك مفصَّلًا.

٩ - قال الطَّبَرِيُّ في الآيةِ: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ فُصِّلَتْ بِأَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَتَخْلَعُوا الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ» [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

قال اللَّهُ تعالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ …﴾ [الإسراء: ٢٣]، ومِثلُه قولُه تعالَى في سورةِ البقرةِ، وهو أوّلُ أمرٍ في القرآنِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٢١﴾ [البقرة: ٢١]، فلا شكَّ أنّ شهادةَ الإسلامِ طالبتِ المشركينَ بتوحيدِ العبادةِ للَّهِ تعالَى.

١٠ - رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] أَيْ وَحِّدُوا رَبَّكُمْ» [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)](١)

١١ - ولذلك قال الطَّبَرِيُّ في معنَى العبادةِ عمومًا وفي الآيةِ: «فَأَمَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْفَرِيقَيْنِ(٢) ... وَغَيْرَهُمْ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ الْمُكَلَّفِينَ، بِالِاسْتِكَانَةِ وَالْخُضُوعِ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَإِفْرَادِ الرُّبُوبِيَّةِ لَهُ وَالْعِبَادَةِ دُونَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَالْآلِهَةِ، لِأَنَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ هُوَ خَالِقُهُمْ وَخَالِقُ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ، وَخَالِقُ أَوْثَانِهِمْ وَأَصْنَامِهِمْ وَآلِهَتِهِمْ ... وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا رُوِيَ لَنَا عَنْهُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ نَظِيرَ مَا قُلْنَا فِيهِ، غَيْرَ أَنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَعْنَى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] وَحِّدُوا رَبَّكُمْ.

وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ الْخُضُوعُ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ وَالتَّذَلُّلُ لَهُ بِالِاسْتِكَانَةِ. وَالَّذِي أَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وَحِّدُوهُ: أَيْ أَفْرِدُوا الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ لِرَبِّكُمْ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ.

حَدَّثَنَا ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، أَيْ وَحِّدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ»». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

الهوامش

  1. وذكرَ هذا الخبرَ في مواضعَ مِن تفسيرِه. ↩
  2. أي: الكفّارَ والمنافقينَ المذكورينَ في أوّلِ سورةِ البقرةِ. ↩