ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (٢): معنَى كلمةِ الإسلامِ وأهمّيّةُ هذا المعنَى وبيانُ النّبيِّ ﷺ له

«فصل» (٤): الأمرُ بتوحيدِ العبادةِ في قولِه تعالَى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾

١٢ - قال الطَّبَرِيُّ: «وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] لَكَ اللَّهُمَّ نَخْشَعُ وَنَذِلُّ وَنَسْتَكِينُ إِقْرَارًا لَكَ يَا رَبَّنَا بِالرُّبُوبِيَّةِ لَا لِغَيْرِكَ.

كَمَا حَدَّثَنَا ... عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ جِبْرِيلُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ:

«قُلْ يَا مُحَمَّدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، إِيَّاكَ نُوَحِّدُ وَنَخَافُ وَنَرْجُو يَا رَبَّنَا لَا غَيْرَكَ»

وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمَعْنَى مَا قُلْنَا، وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا الْبَيَانَ عَنْ تَأْوِيلِهِ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى نَخْشَعُ وَنَذِلُّ وَنَسْتَكِينُ، دُونَ الْبَيَانِ عَنْهُ بِأَنَّهُ بِمَعْنَى نَرْجُو وَنَخَافُ، وَإِنْ كَانَ الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ لَا يَكُونَانِ إِلَّا مَعَ ذِلَّةٍ، لِأَنَّ الْعُبُودِيَّةَ عِنْدَ جَمِيعِ الْعَرَبِ أَصْلُهَا الذِّلَّةُ، وَأَنَّهَا تُسَمِّي الطَّرِيقَ الْمُذَلَّلَ الَّذِي قَدْ وَطِئَتْهُ الْأَقْدَامُ وَذَلَّلَتْهُ السَّابِلَةُ(١): مُعَبَّدًا. وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ:

تُبَارِي عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ وَأَتْبَعَتْ ... وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مُعَبَّدِ(٢)

يَعْنِي بِالْمَوْرِ: الطَّرِيقَ، وَبِالْمُعَبَّدِ: الْمُذَلَّلَ الْمَوْطُوءَ وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلْبَعِيرِ الْمُذَلَّلِ بِالرُّكُوبِ فِي الْحَوَائِجِ: مُعَبَّدٌ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْعَبْدُ عَبْدًا لِذِلَّتِهِ لِمَوْلَاهُ. وَالشَّوَاهِدُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَكَلَامِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

الهوامش

  1. «السَّابِلَةُ»: المارّةُ، قال الْخَلِيلُ في «العَيْنِ»: «الْمُخْتَلِفَةُ فِي الطُّرُقَاتِ لِلْحَوَائِجِ»، أي: الجائيةُ والذّاهبةُ فيها. ↩
  2. البيتُ مِن مُعلَّقةِ طَرَفَةَ، وهو شاعرٌ جاهليٌّ. قال ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ في «شرحِ القصائدِ السَّبعِ»: «مَعْنَاهُ: هُمَا يَتَبَارَيَانِ فِي السَّيْرِ، إِذَا فَعَلَ هَذَا شَيْئًا فَعَلَ هَذَا مِثْلَهُ ... وَ«الْعِتَاقُ»: الْكِرَامُ مِنَ الْإِبِلِ الْبِيضُ ... وَ«النَّاجِيَاتُ»: السِّرَاعُ ... وَقَوْلُهُ: «وَأَتْبَعَتْ وَظِيفًا وَظِيفًا»، مَعْنَاهُ: وَأَتْبَعَتِ النَّاقَةُ وَظِيفَ يَدِهَا وَظِيفَ رِجْلِهَا»، وقال ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فيما نقلَه ابْنُ سِيدَهْ في «المحكَمِ»: ««الْوَظِيفُ» مِنْ رُسْغَيِ الْبَعِيرِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ فِي يَدَيْهِ، وَأَمَّا فِي رِجْلَيْهِ فَمِنْ رُسْغَيْهِ إِلَى عُرْقُوبَيْهِ». ↩