«باب» (١٦): اللَّهُ لا يَغفرُ الشّركَ الأكبرَ والمشركُ لا يَدخلُ الجنّةَ
«فصل» (٣): حديثُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رضي الله عنه
والقولُ المذكورُ في الأحاديثِ السّابقةِ جاءَ عند أَحْمَدَ في حديثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ الطّويلِ الذي فيه بحثُه عنِ الحقِّ، وأسوقُ مِنه هنا ما يتعلّقُ بما نحن فيه(١):
ذُكِرَ في هذا الحديثِ أنّ سَلْمَانَ كان مجوسيًّا مِن أهلِ أَصْبَهَانَ، واجتهدَ في دِينِه حتّى كان هو الذي يُوقِدُ النّارَ ولا يَتركُها تَخبُو، فمرَّ يومًا بكنيسةٍ للنّصارَى وهم يُصلُّونَ، فأَعجبَه أمرُهم وعلِمَ أنّ دِينَهم خيرٌ مِن دِينِ قومِه، وسألَهم عن أصلِه فقالوا: بالشَّامِ.
ثمّ أَخبرَ أباه بذلك وصرّحَ له ببطلانِ دِينِه وأنّ غيرَه خيرٌ مِنه، فقيّدَه أبوه وحبسَه، ثمّ تخلّصَ مِن قيدِه وخرجَ مع رَكْبٍ مِنَ النّصارَى إلى الشَّامِ. فدُلَّ هناك على أُسقُفٍّ كان رجلَ سَوْءٍ يأمرُ النّاسَ بالصّدقةِ ثمّ يَكنِزُها لنفسِه، فأَبغضَه، فلمّا ماتَ أَظهرَ أمرَه للنّاسِ.
١٦٥ - ففي حديثِ أَحْمَدَ: «ثُمَّ جَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ، فَجَعَلُوهُ بِمَكَانِهِ، قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ: فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ، أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا، وَلَا أَرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ، وَلَا أَدْأَبُ لَيْلًا وَنَهَارًا مِنْهُ ... ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَقُلْتُ لَهُ: ... فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي، وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا الْيَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، لَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، إِلَّا رَجُلًا بِالْمَوْصِلِ، وَهُوَ فُلَانٌ، فَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، فَالْحَقْ بِهِ». [مسندُ أَحْمَدَ (ت ٢٤١هـ)]
ثمّ صحِبَ صاحبَ الْمَوْصِلِ، ثمّ صاحبَ نَصِيبِينَ، ثمّ صاحبَ عَمُّورِيَّةَ، كلٌّ مِنهم يَدلُّه عند موتِه على مَن بعدَه. وفي ذلك بيانُ شدّةِ غُربةِ الدِّينِ في ذلك الزّمانِ، نحوَ ستّةِ قرونٍ بعدَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليه السلام، فقد بدّلَ النّاسُ دِينَهم وتركُوا أكثرَ ما كانوا عليه، وكان كلُّ واحدٍ مِن هؤلاء الرّجالِ لا يَعرفُ عند موتِه أحدًا على دِينِه إلّا رجلًا واحدًا في بلدٍ آخرَ، حتّى لم يَعرفِ الأخيرُ مِنهم أحدًا. وفيه أنّ اللَّهَ يُوفِّقُ للحقِّ مَن صدقَ في طلبِه.
فلمّا حضرتْ صاحبَ عَمُّورِيَّةَ الوفاةُ قال له:
«أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى: يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ».
ثمّ خرجَ سَلْمَانُ إلى أرضِ العربِ، فظُلِمَ وبِيعَ عبدًا حتّى صارَ إلى الْمَدِينَةِ، فلمّا سمِعَ بقدومِ النّبيِّ ﷺ ذهبَ إليه وتثبّتَ مِن علامةِ الصّدقةِ والهديّةِ.
والشّاهدُ مِن هذه القصّةِ ما جاءَ في روايةٍ أخرَى للحديثِ في موضعِ الإخبارِ عنِ استكشافِ سَلْمَانَ علاماتِ النّبوّةِ:
١٦٦ - رَوَى أَحْمَدُ: «وَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، فَإِذَا خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟» فَحَدَّثْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ، وَقُلْتُ: أَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ حَدَّثَنِي أَنَّكَ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ» فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّكَ نَبِيٌّ أَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ»». [مسندُ أَحْمَدَ (ت ٢٤١هـ)]
وفي هذا فائدةٌ عظيمةٌ، فإنّ الرّجلَ الذي سألَ سَلْمَانُ عنه ما رأَى مِنه إلّا خيرًا وكان مِن أصلحِ النّاسِ على ذلك الدِّينِ وأَخبرَه أنّ النّبيَّ ﷺ سيُبعَثُ في هذا الزّمانِ وأنّه سيكونُ مِنَ العربِ وعلى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، ثمّ بيّنَ له تفاصيلَ مِن علاماتِ النّبوّةِ ونصحَ سَلْمَانَ أن يَبحثَ عنه، ومع كلِّ ذلك لم يَشهدِ النّبيُّ ﷺ له بالجنّةِ(٢)!
وليس في ذلك تصريحٌ أنّ هذا الرّجلَ أو أصحابَه يَدخلونَ النّارَ وأنّهم كفّارٌ، واللَّهُ أعلمُ، فكأنّ النّبيَّ أرادَ أن يُعلِّمَ عِلمًا بليغًا ومهمًّا بالإشارةِ إلى أنّ المرءَ مهما قامَ به مِنَ الأعمالِ الصّالحةِ في الظّاهرِ فدخولُ الجنّةِ يتوقّفُ على أمرَينِ وهما:
أوّلًا: تحقيقُ التّوحيدِ الخالصِ والخلوُّ التّامُّ مِنَ الشّركِ الأكبرِ كائنًا ما كان، في الرّبوبيّةِ أو الألوهيّةِ، أي: العبادةِ، أو الأسماءِ والصّفاتِ. وهذا يستلزمُ الأمرَ الآتيَ.
ثانيًا: سلامةُ الباطنِ مِنَ النّفاقِ والشّكِّ، بأن لا يُظهِرَ للنّاسِ التّوحيدَ وفي قلبِه ما يناقضُه.
فكأنّه لم يُرِدْ أن يُؤكِّدَ له ذلك وأرادَ أن يُعلِّمَه بدلًا مِنه عِلمًا هو أعمُّ مِن ذِكرِ حالِ هؤلاء المعيَّنينَ، واللَّهُ أعلمُ.
الهوامش
- وقد أَفردتُ شرحَ هذا الحديثِ بطولِه وفوائدِه في رسالةِ «قصَّة إسلام سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رضي الله عنه وما فيها مِن دلائلِ التَّوحيدِ ووصفِ غُربةِ الدِّين». ↩
- وجاءَ في بعضِ رواياتِ التّفسيرِ في هذه القصّةِ ذِكرُ مصيرِهم، وذكرَها ابْنُ مَنْدَه في «التَّوحيدِ» في بابِ «ذِكرُ الدَّليلِ على أنَّ المجتهدَ المخطئَ في معرفةِ اللَّهِ عز وجل ووحدانيَّتِهِ كالمُعانِدِ». ↩