«باب» (١٦): اللَّهُ لا يَغفرُ الشّركَ الأكبرَ والمشركُ لا يَدخلُ الجنّةَ
«فصل» (٤): مَن أَشركَ باللَّهِ لا يَدخلُ الجنّةَ، وقولُه تعالَى ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾
١٦٧ - رَوَى الْبُخَارِيُّ في «بابِ الجنائزِ»(١): «عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي، فَأَخْبَرَنِي - أَوْ قَالَ: بَشَّرَنِي - أَنَّهُ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ»».
وفي روايةٍ له: «قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ» وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: هَذَا عِنْدَ الْمَوْتِ، أَوْ قَبْلَهُ إِذَا تَابَ وَنَدِمَ، وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، غُفِرَ لَهُ».
وبعدَ الحديثِ في البابِ المذكورِ: «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ» وَقُلْتُ أَنَا: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ». [صحيحُ الْبُخَارِيِّ (ت ٢٥٦هـ)، متّفقٌ عليه]
وقال تعالَى في سورةِ المائدةِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ٧٢﴾ [المائدة: ٧٢]
١٦٨ - رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: «عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الدَّوَاوِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: دِيوَانٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ شَيْئًا، وَدِيوَانٌ لَا يَدَعُهُ اللَّهُ لِشَيْءٍ، فَأَمَّا الدِّيوَانُ الَّذِي لَا يَغْفِرُ فَـ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، وَقَالَ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ٧٢﴾ [المائدة: ٧٢]»». [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)](٢)
١٦٩ - وقال الطَّبَرِيُّ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ الذي نزلتِ الآياتُ فيه: «... لَوْلَا أَنَّهُ أَشْرَكَ بِاللَّهِ وَمَاتَ عَلَى شِرْكِهِ لَكَانَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ خِيَانَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ، وَكَانَ إِلَى اللَّهِ أَمْرُهُ فِي عَذَابِهِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ. وكَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ مَنِ اجْتَرَمَ جُرْمًا، فَإِلَى اللَّهِ أَمْرُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جُرْمُهُ شِرْكًا بِاللَّهِ وَكُفْرًا، فَإِنَّهُ مِمَّنْ حَتْمٌ عَلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ إِذَا مَاتَ عَلَى شِرْكِهِ، فَإِذَا مَاتَ عَلَى شِرْكِهِ، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَمَأْوَاهُ النَّارُ».
«﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ [المائدة: ٧٢] أَنْ يَسْكُنَهَا فِي الْآخِرَةِ. ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ يَقُولُ: وَمَرْجِعُهُ وَمَكَانُهُ الَّذِي يَأْوِي إِلَيْهِ وَيَصِيرُ فِي مَعَادِهِ، مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِهِ نَارُ جَهَنَّمَ. ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ يَقُولُ: وَلَيْسَ لِمَنْ فَعَلَ غَيْرَ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ وَعَبَدَ غَيْرَ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ الْخَلْقِ ﴿مِنْ أَنْصَارٍ ٧٢﴾ يَنْصُرُونَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ اللَّهِ، فَيُنْقِذُونَهُ مِنْهُ إِذَا أَوْرَدَهُ جَهَنَّمَ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
الهوامش
- وترجمةُ البابِ: «بَابٌ فِي الجَنَائِزِ، وَمَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، وفيها قولُ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: «لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ»، وقد سبقَ بتمامِه برقمِ (٤٥) في البابِ (٤)، الفصلِ (٤) «في أنّ للشّهادةِ شروطًا». ↩
- ورواه أَحْمَدُ، ولفظُه: «الدَّوَاوِينُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثَلَاثَةٌ»، وفي إسنادِه صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى الدَّقِيقِيُّ، قال يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: «لَيْسَ حَدِيثُهُ بِشَيْءٍ»، نقلَه ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ في «الجرحِ والتّعديلِ»، وقال النَّسَائِيُّ في «الضّعفاءِ والمتروكينَ»: «ضَعِيفٌ». ↩