ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١٧): المشركُ لا يَعرفُ معنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ

«فصل» (٥): مثالٌ يَضربُه بعضُ مَن ضلَّ في هذا الزّمانِ يدلُّ على سوءِ الفهمِ

ومِنَ النّاسِ مَن يريدُ أن يبيِّنَ أنّ بعضَ المشركينَ مسلمونَ جهّالٌ في مثالٍ وهميٍّ. لكن لو فهِمُوا حقيقةَ الشّهادةِ لعلِمُوا أنّ هذا المثالَ يبيِّنُ خلافَ قولِهم. فيقولونَ نحوَ ما يلِي:

«لو أنّ رجلًا آمنَ باللَّهِ عز وجل وبرسولِه ﷺ ثمّ إنّه في لحظةٍ مِن لحظاتِ حياتِه شعَرَ بضِيقٍ فتوسّمَ في شيخِ مسجدِه الذي يُوجَدُ بالقريةِ الصّلاحَ فذهبَ إليه وقال له: أَشعُرُ بكَرْبٍ شديدٍ وبضِيقٍ في صدري. فقال له الشّيخُ: سأدلُّك على علاجٍ ربّانيٍّ، لقد قال النّبيُّ ﷺ: إذا ضاقتِ الصّدورُ فاستغيثُوا بأصحابِ القبورِ. فذهبَ الرّجلُ يستغيثُ بأصحابِ القبورِ ظنًّا مِنه أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قد أمرَه بذلك».

فيُقالُ:

•هذا الرّجلُ في المثالِ لا يَعرفُ معنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قطعًا، فلا يحقِّقُ شرطَ العِلمِ، ولذلك يستحيلُ إسلامُه.

•الرّجلُ يَعبدُ غيرَ اللَّهِ واتّخذَ إلهًا مِن دونِ اللَّهِ، فلا يُمكِنُ أن يُوصَفَ بأنّه محقِّقٌ لِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. إنّه ليس مسلمًا ولا مخلِصًا ولا حنيفًا ولا متّبِعًا لملّةِ إِبْرَاهِيمَ.

•إنّه ظنَّ أنّ الميّتَ يستحقُّ العبادةَ، إذ رأَى أنّه يُطلَبُ مِنه ما لا يُطلَبُ إلّا مِنَ اللَّهِ تعالَى، وحَسِبَ ذلك مناسِبًا لمقامِه.

•تصديقُه الخبرَ المكذوبَ يؤكِّدُ كلَّ ذلك، لأنّه لو عرفَ حقيقةَ الإسلامِ لاستحالَ أن يَقبلَ أيَّ قولٍ يناقضُها وأن يَتركَ أساسَ الملّةِ لهذا الخبرِ. أفمَن عرفَ دِينَ الإسلامِ يَقبلُ خبرًا مكذوبًا يحسِّنُ له الشّركَ؟! سبحانَ اللَّهِ، هذا لا يكونُ!

وكيف إذًا أمرُ مَن آمنَ بمُسَيلِمةَ الكذّابِ مِن بَنِي حَنِيفَةَ، وقد شهِدَ له عندهم غيرُ واحدٍ، وكانوا يدّعونَ أنّه يَنزِلُ عليه قرآنٌ، ويتلُونَ تلك الخرافاتِ في الصّلاةِ؟ فهلّا عذرُوهم أيضًا؟ فإن قالوا: لا، لأنّ ذلك أمرٌ عظيمٌ، وهو ادّعاءُ نبوّةِ أحدٍ بعدَ النّبيِّ ﷺ، قِيلَ: بل هم يجوِّزونَ ما هو أعظمُ مِن ذلك، إذ الإشراكُ باللَّهِ أعظمُ مِن إشراكِ أحدٍ مع نبيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ في النّبوّةِ. فكيف يَعذِرونَ في الأعظمِ ولا يَعذِرونَ فيما دونَه؟!

ولو أَمكنَ مِثلُ هذا الذي يصوِّرونَه لجازَ أن يصدِّقَ مسلمٌ مَن جاءَه بخبرٍ يَنْسُبُه إلى النّبيِّ ﷺ، يزعمُ فيه أنّ للَّهِ ولدًا، تعالَى اللَّهُ عن ذلك. فهل هذا ونظيرُه جائزٌ مِن مسلمٍ؟ وهل يكونُ مَن يصدّقُ مِثلَ هذا الخبرِ ويَقبلُ ما فيه مسلمًا معذورًا بالجهلِ، لأنّه أرادَ طاعةَ اللَّهِ ورسولِه؟

لا أَظنُّ عاقلًا يدّعِي مِثلَ ذلك، لكنّ مِنهم، كما سبقَ، مَن يلتزمُ هذا الباطلَ أيضًا، فيتصوَّرُ مسلمًا يَعبدُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عليه السلام ويظنُّه ابْنَ اللَّهِ تعالَى، لحداثةِ عهدِه بالإسلامِ - كما يزعمُ هؤلاء!

وإذ لم يَجُزْ أن يُتصوَّرَ مسلمٌ يعتقدُ بُنوّةَ عِيسَى عليه السلام، فكذلك لا يُتصوَّرُ إسلامُ عُبّادِ القبورِ، لأنّ الجامعَ بينَهم الشّركُ الأكبرُ. لكنّ كثيرًا مِنَ النّاسِ اليومَ لا يَعرفونَ حقيقةَ الإسلامِ، ولذلك يُشكِلُ عليهم التّفريقُ بينَ المسلمِ والمشركِ.

وعجيبٌ جدًّا أنّ مَن يُورِدُ هذا المثالَ يُقِرُّ بأنّ الرّجلَ فيه فعَلَ الشّركَ الأكبرَ الصّريحَ، ثمّ يحتجُّ بأنّ التّوحيدَ إنّما هو «إفرادُ اللَّهِ بالطّاعةِ المطلَقةِ»!

ومعنَى هذا القولِ العجيبِ أن يُقالَ إنّ هذا المشركَ الجاهلَ قد حقّقَ التّوحيدَ! وهذا قولٌ في غايةِ البطلانِ. إذ كيف يجرِّدُ التّوحيدَ عن معانِيه حتّى يَجعلَ المشركَ الجاهلَ بحقيقةِ الإسلامِ محقِّقًا للتّوحيدِ بحجّةِ أنّه أرادَ الخيرَ وأنّه إنّما أرادَ أن يُطيعَ اللَّهَ بشركِه؟! لو التزمَ هذا الزّاعمُ هذا الأصلَ الباطلَ في كلِّ أحدٍ، لزمَ مِنه إدخالُ جماهيرِ أهلِ الكفرِ والشّركِ في ملّةِ الإسلامِ، ما عليهم إلّا أن يزعمُوا أنّهم إنّما أرادُوا أن يُطيعُوا اللَّهَ. ويدخلُ في ذلك كلُّ فِرقةٍ تدّعِي الإسلامَ وهي خارجةٌ عنه في حقيقةِ الأمرِ، بل يدخلُ فيه عُبّادُ الأوثانِ مِن مشركِي العربِ قديمًا. فكيف يزعمُ مَن تصدّرَ لتدريسِ العِلمِ الشّرعيِّ مِثلَ هذا، بل كيف يزعمُه عاقلٌ؟

ثمّ إنّ هذا المثالَ، مع كلِّ ما سبقَ، بعيدٌ جدًّا عن واقعِ النّاسِ اليومَ. وهذا غلطٌ آخرُ كبيرٌ مِن أصحابِ هذا القولِ، أنّهم لا يُنزِّلونَ ما انتهَوا إليه على الرّجلِ المتصوَّرِ في المثالِ فحسبُ، بل ينزِّلونَه على كثيرٍ مِنَ المشركينَ اليومَ أو على معظمِهم، مع البَونِ الشّاسعِ بينَهم وبينَ المذكورِ في المثالِ. فما وجهُ ذكرِ هذا المثالِ عند أناسٍ يَقرؤُونَ القرآنَ ويَسمعونَه كلَّ يومٍ، ولعلّ كثيرًا مِنهم حفِظَ بعضَه أو كلَّه؟

وبذلك يَظهرُ سوءُ قصدِ مَن يجادلُ عن بعضِ المشركينَ بحجّةِ الجهلِ والانتسابِ، فإنّهم يخالفونَ الصّوابَ مِن وجوهٍ كما تقدّمَ. إذ لا يجوزُ على قولِهم الباطلِ نفسِه أن يُنزِّلوه على عامّةِ المشركينَ اليومَ، ممّا يبيِّنُ أنّ قصدَهم إنّما هو أن يَعذِرُوا هؤلاء بكلِّ شيءٍ كائنًا ما كان، نسألُ اللَّهَ لنا ولهم الهدايةَ، آمينَ.