«باب» (٢١): الشّركُ يُحبِطُ جميعَ الأعمالِ
«فصل» (٣): مخالَفةُ آياتٍ كثيرةٍ مِنَ القرآنِ وأنّ لفظَ المشركينَ فيه يَشملُ الجاهلَ مِنهم بلا شكٍّ
تسميةُ المشركِ مسلمًا ومعاملتُه معاملةَ المسلمينَ تؤدِّي قطعًا إلى مخالَفةِ عِدّةِ آياتٍ مِنَ القرآنِ، كما ظهرَ في المثالِ السّابقِ، وفي القرآنِ أمثلةٌ كثيرةٌ قد سبقَ ذكرُ العديدِ مِنها، وأَذكرُ آياتٍ أخرَى مِن هذا القبيلِ مِن بابِ الإشارةِ:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ٣٦﴾ [النحل: ٣٦]
٢٠٦ - وقال الطَّبَرِيُّ في الآيةِ: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ بَعَثْنَا أَيُّهَا النَّاسُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ سَلَفَتْ قَبْلَكُمْ رَسُولًا كَمَا بَعَثَنَا فِيكُمْ بِأَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَفْرِدُوا لَهُ الطَّاعَةَ وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
٢٠٧ - ورَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ في قولِه تعالَى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]: «عَنِ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: الطَّاغُوتُ: مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ». [تفسيرُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (ت ٣٢٧هـ)]
٢٠٨ - وجاء عن يَحْيَى بْنِ سَلَّامٍ: «﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وَالطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ، هُوَ دَعَاهُمْ إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ... وَقَالَ السُّدِّيُّ: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ يَعْنِي: وَاجْتَنِبُوا الْأَوْثَانَ». [تفسيرُ يَحْيَى بْنِ سَلَّامٍ (ت ٢٠٠هـ)]
٢٠٩ - وجاء عن مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ: «﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [النحل: ٣٦] يَعْنِي: أَنْ وَحِّدُوا اللَّهَ ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ يَعْنِي: عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ إِلَى دِينِهِ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي: وَجَبَتْ ﴿الضَّلَالَةُ﴾ ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ٣٦﴾» [تفسيرُ مُقَاتِلٍ (ت ١٥٠هـ)]
فيُقالُ هنا أيضًا: إذا جُعِلَ المشركُ مسلمًا ينقلبُ معنَى الآيةِ بجَعْلِه مِنَ المهتدِينَ المتّبِعينَ للأنبياءِ، لا مِنَ الضّالِّينَ، مع أنّه يخالفُ هدايةَ الأنبياءِ عليهم السلام لأنّه عَبَدَ الطّاغوتَ بدلًا مِن أن يَكفُرَ به.
وممّا تَظهرُ فيه هذه المخالَفةُ البيِّنةُ للقرآنِ أيضًا أنّ لفظَ المشركينَ في القرآنِ يَدخلُ فيه المشركُ الجاهلُ لا محالةَ، ومَن جعلَه مسلمًا محتجًّا بجهلِه يخالفُ كلَّ هذه الآياتِ، ومِنها: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ١١٣﴾ [التوبة: ١١٣]
ففي القرآنِ أنّ المسلمَ لا يجوزُ له أن يستغفرَ للمشركِ بعدَ موتِه.
٢١٠ - قال الطَّبَرِيُّ مبيِّنًا: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا كَانَ يَنْبَغِي لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا﴾، يَقُولُ: أَنْ يَدْعُوا بِالْمَغْفِرَةِ لِلْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُمْ ذَوِي قَرَابَةٍ لَهُمْ. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ١١٣﴾ [التوبة: ١١٣] يَقُولُ: مِنْ بَعْدِ مَا مَاتُوا عَلَى شِرْكِهِمْ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ، فَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، لِأَنَّ اللَّهَ قَدْ قَضَى أَنْ لَا يَغْفِرَ لِمُشْرِكٍ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَسْأَلُوا رَبَّهُمْ أَنْ يَفْعَلَ مَا قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ فَإِنْ قَالُوا: فَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ قَدِ اسْتَغْفَرَ لِأَبِيهِ، وَهُوَ مُشْرِكٌ؟، فَلَمْ يَكُنِ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا لِمَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وَعَلِمَ أَنَّهُ للَّهِ عَدُوٌّ خَلَّاهُ وَتَرَكَهُ، وَتَرَكَ الِاسْتِغْفَارَ لَهُ، وَآثَرَ اللَّهَ وَأَمْرَهُ عَلَيْهِ، فَتَبَرَّأَ مِنْهُ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ أَمْرُهُ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
وقد سبقَ في قصّةِ وفاةِ أَبِي طَالِبٍ أنّ النّبيَّ ﷺ قال له: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فنزلتْ هذه الآيةُ(١).
٢١١ - ورَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ في قولِه تعالَى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤]: «قَالَ مَعْمَرٌ: وَقَالَ قَتَادَةُ: تَبَيَّنَ لَهُ حِينَ مَاتَ وَعَلِمَ أَنَّ التَّوْبَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ». [تفسيرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ (ت ٢١١هـ)، ورواه الطَّبَرِيُّ، وبنحوِه عند ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ]
٢١٢ - ورَوَى الطَّبَرِيُّ ما يوافقُه: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] وَكَانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لَهُمْ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَلَمَّا نَزَلَتْ أَمْسَكُوا عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِأَمْوَاتِهِمْ، وَلَمْ يَنْهَهُمْ أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْأَحْيَاءِ حَتَّى يَمُوتُوا ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] يَعْنِي: اسْتَغْفَرَ لَهُ مَا كَانَ حَيًّا فَلَمَّا مَاتَ أَمْسَكَ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]
وفي الآيةِ حُكمٌ عامٌّ، وذُكِرَ فيها لبيانِ هذا الحُكمِ لفظُ المشركينَ، وهذا يَشملُ جميعَ المشركينَ، الجاهلينَ والمعانِدينَ.
ولذلك لم يَذكرْ أحدٌ مِن أهلِ العِلمِ تفريقًا بينَ مشركٍ ومشركٍ في هذا الأمرِ، ولا أنّه يجوزُ الاستغفارُ لبعضِ المشركينَ دونَ بعضٍ.
والمقصودُ في الآيةِ بيانُ أنّ الاستغفارَ يَحرُمُ بعدَ الموتِ على الكفرِ، لذا فسّرَ أهلُ العِلمِ التّبيُّنَ المذكورَ في الآيةِ بالموتِ لأنّ التّكليفَ ينقطعُ به.
وقال تعالَى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ١٣٧﴾ [الأنعام: ١٣٧]
لا شكَّ أنّ لفظَ المشركينَ في هذه الآيةِ يَشملُ جميعَ المشركينَ، كما في الآيةِ السّابقةِ. فاللَّهُ تعالَى ذكرَ عِلّةَ كونِ هؤلاء مشركينَ وهي اتّخاذُهم شركاءَ مِن دونه.
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ ٦﴾ [التوبة: ٦]
وهنا يسمِّيهم اللَّهُ تعالَى أيضًا مشركينَ. مهما علِمُوا مِن حقيقةِ الإسلامِ أو جهِلُوا، فذلك لا يغيِّرُ مِن اتّصافِهم بالشّركِ شيئًا - وإن شَغَبَ بعضُ النّاسِ في مِثلِ هذه الآيةِ بما يخالفُ ظاهرَها ويناقضُ الكتابَ والسّنّةَ وما عليه سلفُ هذه الأمّةِ في فهمِهم للقرآنِ مِن وجوهٍ.
﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ١٧٣﴾ [الأعراف: ١٧٣]
هذه الآيةُ واضحةٌ جدًّا كذلك، وفيها ذِكرُ الفعلِ ﴿أَشْرَكَ﴾ [الأعراف: ١٧٣] لا اسمِ الفاعلِ، فلا شكَّ أنّ المرادَ هو مَن يَفعلُ الشّركَ. فكيف يُدَّعَى أنّ مَن ذُكِرَ في الآيةِ يُمكِنُ أن يكونَ مسلمًا؟ اللّهمّ إلّا على قولِ مَن يَجعلُ بعضَهم مسلمينَ بحجّةِ الجهلِ والانتسابِ، مع أنّهم يَدخلونَ في قولِ اللَّهِ تعالَى المذكورِ لأنّهم فاعلونَ للشّركِ على كلِّ حالٍ.
فالآيةُ كغيرِها تَشملُ المشركينَ بعِلّةِ فِعلِهم الذي هو الشّركُ. فيُسألُ المخالِفُ: «إذا كان هذا الشّخصُ جاهلًا فهل فعَلَ الشّركَ أم لا؟»، فإن فعَلَه فإنّه داخلٌ في الآيةِ. وعلى المنصِفِ المريدِ للحقِّ أن يَسألَ نفسَه: هل قال أحدٌ مِن علماءِ السّلفِ شيئًا يخالفُ هذا عند كلامِهم على هذه الآياتِ؟
ومِثلُه يُقالُ في الآيتَينِ الآتيتَينِ: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ ١٠٩﴾ [هود: ١٠٩]
﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ٣٩ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ٤٠﴾ [يوسف: ٣٩-٤٠]
وفي القرآنِ آياتٌ كثيرةٌ مِن هذا البابِ، جاء ذكرُ الشّركِ ووصفُ المشركينَ فيها وصفًا عامًّا ولم يُستَثنَ مِن هذا الوصفِ العامِّ شيءٌ، ولكن أكتفِي بما ذُكِرَ هاهنا ومِن قبلُ في هذا الكتابِ.
الهوامش
- انظرِ النّصَّ (٨٧) في البابِ (١٠)، الفصلِ (٣) «قصّةُ وفاةِ أَبِي طَالِبٍ». ↩