ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

الخاتِمة

فهذا ما أَردتُ ذِكرَه، بفضلِ اللَّهِ تعالَى، في بيانِ معنَى الإسلامِ مِنَ الكتابِ والسّنّةِ وأقوالِ السّلفِ الصّالحِ. وبما سبقَ مِنَ الأدلّةِ تجلَّى أنّ الإسلامَ ينبنِي على توحيدِ العبادةِ وأنّ مَن لم يحقِّقْ هذا التّوحيدَ فلا يُمكِنُ أن يكونَ مسلمًا بحالٍ مِنَ الأحوالِ.

وقد ذكرتُ في «المقدِّمةِ» أنّه تتفرّعُ عن هذا الأصلِ مسائلُ، ينبغِي أن يُفرَدَ كلٌّ مِنها بالبحثِ على النّحوِ الذي بُحِثَ عليه الأصلُ هاهنا، وأَذكرُ هذه المسائلَ هنا بشيءٍ مِنَ التّفصيلِ:

المسألةُ الأولَى: السّؤالُ عن حقيقةِ الشّركِ ما هو، ولا بُدَّ أن يُهتَمَّ به، وقد عارضَ بها دعاةَ التّوحيدِ خصومُهم، فقالوا لهم مثلًا: «نحن نُقِرُّ أنّ المشركَ ليس مسلمًا، إلّا أنّ هذا الشّركَ الذي يُخرِجُ عن الإسلامِ إنّما يكونُ في الرّبوبيّةِ، ومجرّدُ الطّلبِ مِنَ الموتَى ليس شركًا حتّى يَصحبَه الاعتقادُ أنّ المدعوَّ يُعطِي مستقلًّا عن اللَّهِ تعالَى». فلا يَخفَى عِظَمُ هذه المسألةِ وأهمّيّتُها، ومع ذلك يُقالُ كما سبقَ: كثيرٌ مِنَ النّاسِ لم يصِلُوا إلى الإقرارِ بأنّ الشّركَ الأكبرَ يَهدِمُ الإسلامَ مِن أصلِه، بل يَخلِطونَ بينَهما ولا يجدونَ إشكالًا في تصوُّرِ «مسلمٍ مشركٍ» ويجادلونَ عن ذلك. وقد أَشرتُ إلى هذا فيما سبقَ وذكرتُ بعضَ الأمورِ المهمّةِ فيه، لكنّ الأمرَ بحاجةٍ إلى أن يُفرَدَ بدراسةٍ مفصَّلةٍ.

المسألةُ الثّانيةُ: أحاديثُ أهلِ الفترةِ وامتحانِهم(١)، وهل يتوقّفُ العذابُ في الآخرةِ على قيامِ حجّةِ الرّسلِ خاصّةً؟ وبعبارةٍ أخرَى: مَن لم تَبلغْ إليه دعوةُ رسولٍ - أو لم يتمكّنْ مِن فهمِ الخطابِ البتّةَ - وماتَ على الشّركِ عاقلًا بالغًا، هل يُمكِنُ أن ينجُوَ مِثلُه في ذلك الامتحانِ؟

فينبغي أن تُدرَسَ لاحقًا، إلّا أنّي أَشرتُ إليها في هذا الكتابِ لتعلّقِها بأمرٍ مهمٍّ في مسألةِ الإسلامِ والشّركِ، وهو أنّ بعضَ النّاسِ يحتجُّ بها على أنّ المشركَ يُمكِنُ أن يُعتَبَرَ مسلمًا في الدّنيَا، فيُقالُ: على فهمِ هؤلاء تكونُ هذه الأحاديثُ مِن أدلِّ الدّلائلِ أنّ مَن ماتَ على الشّركِ لم يكنْ مسلمًا قطُّ في الدّنيَا، لأنّ هذا الامتحانَ ليس للمسلمينَ أصلًا إذ لا يُمتَحَنُ مسلمٌ بالاتّفاقِ!

المسألةُ الثّالثةُ: متى تقومُ الحجّةُ؟ فيُقالُ: غايةُ هذه المسألةِ أن يُسألَ: أَيكونُ هذا المشركُ ممّن يُمتَحَنُ أم لا، وليس السّؤالُ هل كان مسلمًا! فهذا شيءٌ وذاك شيءٌ آخرُ.

المسألةُ الرّابعةُ: التّوسّعُ فيمَن لم تقُمْ عليه الحجّةُ. وهذه فرعٌ عن المسألةِ السّابقةِ، ومِنَ النّاسِ مَن يُوسِّعُ دائرةَ مَن لم تقُمْ عليه الحجّةُ حتّى تَشملَ مَن يَعرفُ العربيّةَ ويَحفظُ القرآنَ ويَعيشُ في مدنِ العالمِ الإسلاميِّ، فيقولُ لا تقومُ عليه الحجّةُ حتّى يحصلَ له الفهمُ حقيقةً بعدَ محاوراتٍ طويلةٍ لعددٍ مِن أهلِ العلمِ في علومٍ مختلِفةٍ. وهذا ادّعاءٌ غيرُ معروفٍ عند أئمّةِ الإسلامِ(٢)، لكنّها مسألةٌ أخرَى تُدرَسُ وحدَها، ولا تُغيِّرُ شيئًا مِن أنّ مرتكِبَ الشّركِ الأكبرِ لا يُمكِنُ أن يكونَ مسلمًا في وقتٍ واحدٍ.

المسألةُ الخامسةُ: حُكْمُ مَن حَكمَ بإسلامِ بعضِ المشركينَ مع العلمِ التّامِّ بحالِهم وأنّهم يرتكبونَ الشّركَ الأكبرَ، فهذا فرعٌ عن الأصلِ أيضًا، وينبغي أن يُتأنَّى في دراسةِ حالاتِه وجوانبِه دونَ تهوُّرٍ. وقد أَشرتُ إليها في الأبوابِ السّابقةِ(٣) لتعلُّقِها بالأصلِ، إلّا أنّها تحتاجُ إلى دراسةٍ مستقلّةٍ.

وأمّا ما يُورَدُ على هذا الأصلِ مِنَ الشّبهاتِ، كحديثِ ذاتِ أنواطٍ وحديثِ سجودِ مُعَاذٍ، وجَعْلِ أقوالِ بعضِ العلماءِ حُجّةً بنفسِها، فعامّتُها مِنِ اتّباعِ المتشابِهِ، والجوابُ عنها يكونُ على حِدَةٍ، بأن يُرَدَّ كلُّ ما اشتبهَ إلى ما ثبتَ هنا مِنَ الأدلّةِ المحكَمةِ.

تمَّ بفضلِ اللَّهِ ومنِّه وكرمِه

وأقولُ في كلِّ ما سبقَ: اللَّهُ أعلمُ وأحكمُ.

أَسألُ اللَّهَ أن يَجعلَ هذا الكتابَ نافعًا للمسلمينَ، وأن يَجعلَ نيّاتِنا خالصةً لوجهِه الكريمِ. اللَّهمّ اغفرْ لي وللمؤمنينَ والمؤمناتِ، الأحياءِ مِنهم والأمواتِ، وارحمِ اللَّهمّ علماءَ المسلمينَ، أئمّةَ السّنّةِ، الذين نقلُوا إلينا بعونِك وحفظِك هذا الدِّينَ، آمينَ.

وصلَّى اللَّهُ على نبيِّنا مُحَمَّدٍ وآلِه وصحبِه ومَن والاه،

والحمدُ للَّهِ ربِّ العالَمينَ.