«باب» (٢٠): مَن جَعلَ نوعًا مِنَ المشركينَ مسلمينَ بجهلِهم يَلزمُه ذلك في جميعِ أنواعِ المشركينَ، وقولُه تعالَى ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾
إنّ العربَ في الجاهليّةِ انتسبُوا كما تبيّنَ مِن قبلُ إلى إِبْرَاهِيمَ عليه السلام(١)، بل حسِبُوا أنّ لهم مقامًا رفيعًا عند اللَّهِ تعالَى لأنّهم كانوا يراعونَ الكعبةَ بيتَ اللَّهِ تعالَى الذي رفعَ إِبْرَاهِيمُ القواعدَ مِنه مع إِسْمَاعِيلَ عليهما السلام.
١٩٧ - رَوَى مُسْلِمٌ: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ» فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ». [صحيحُ مُسْلِمٍ (ت ٢٦١هـ)]
فعبّادُ الأصنامِ هؤلاء آمنُوا بوجودِ اللَّهِ تعالَى وعبَدُوه، بل أَخلصُوا بعضَ عباداتِهم للَّهِ تعالَى، كما قال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ٦٥﴾ [العنكبوت: ٦٥]. فظنُّوا أنفسَهم على دِينِ إِبْرَاهِيمَ وانتسبُوا إلى الإسلامِ العامِّ، ولم يَجعلْهم كلُّ ذلك مسلمينَ في حقيقةِ الأمرِ.
١٩٨ - قال الطَّبَرِيُّ في الآيةِ: «يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِذَا رَكِبَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ السَّفِينَةَ فِي الْبَحْرِ، فَخَافُوا الْغَرَقَ وَالْهَلَاكَ فِيهِ، ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] يَقُولُ: أَخْلَصُوا لِلَّهِ - عِنْدَ الشِّدَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ - التَّوْحِيدَ، وَأَفْرَدُوا لَهُ الطَّاعَةَ، وَأَذْعَنُوا لَهُ بِالْعُبُودَةِ، وَلَمْ يَسْتَغِيثُوا بِآلِهَتِهِمْ وَأَنْدَادِهِمْ، وَلَكِنْ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَهُمْ، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ يَقُولُ: فَلَمَّا خَلَّصَهُمْ مِمَّا كَانُوا فِيهِ وَسَلَّمَهُمْ، فَصَارُوا إِلَى الْبَرِّ، إِذَا هُمْ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِهِمْ، وَيَدْعُونَ الْآلِهَةَ وَالْأَوْثَانَ مَعَهُ أَرْبَابًا». ثمّ رَوَى: «عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥]: فَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ يُقِرُّونَ لِلَّهِ أَنَّهُ رَبُّهُمْ، ثُمَّ يُشْرِكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)، وقولُ قَتَادَةَ عند ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ أيضًا]
١٩٩ - وجاء عن مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ: «﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] يَعْنِي السُّفُنَ، يَعْنِي كُفَّارَ مَكَّةَ، يَعِظُهُمْ لِيَعْتَبِرُوا، ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يَعْنِي مُوَحِّدِينَ لَهُ التَّوْحِيدَ، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ فَلَا يُوَحِّدُونَ كَمَا يُوَحِّدُونَهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْبَحْرِ». [تفسيرُ مُقَاتِلٍ (ت ١٥٠هـ)]
٢٠٠ - وقال يَحْيَى بْنُ سَلَّامٍ في سورةِ لُقْمَانَ: «﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] يَعْنِي: التَّوْحِيدَ، وَهُوَ تَفْسِيرُ السُّدِّيِّ ... ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ غَدَّارٍ، فِي تَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ. كَفُورٍ أَخْلَصَ لِلَّهِ فِي الْبَحْرِ لِلْمَخَافَةِ مِنَ الْغَرَقِ، ثُمَّ غَدَرَ فَأَشْرَكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ٦٥﴾ [العنكبوت: ٦٥]». [تفسيرُ يَحْيَى بْنِ سَلَّامٍ (ت ٢٠٠هـ)]
فمَن جَعلَ مشركًا ما مسلمًا لمجرّدِ انتسابِه إلى دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَلزمُه لا محالةَ أن يَجعلَ أولئك المشركينَ في الجاهليّةِ أيضًا مسلمينَ. بل مشركُو العربِ أولَى أن يُجعَلُوا مسلمينَ على هذا القولِ الفاسدِ، لأنّهم عاشُوا في جاهليّةٍ جَهلاءَ، إذ لم يكنْ عندهم كتابٌ محفوظٌ مِن عند اللَّهِ كالقرآنِ الذي بينَ أيدينا إلّا بقايَا مِن دِينِ إِبْرَاهِيمَ دونَ آيةٍ واحدةٍ مكتوبةٍ مِنه وبقايَا اليهوديّةِ والنّصرانيّةِ على تحريفٍ شديدٍ في كلِّ هذه الأديانِ.
فصولُ هذا البابِ
الهوامش
- انظرِ البابَ (١٠)، الفصلَ (٤) «قصّةُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وأنّ الحنفاءَ عَرفُوا معنَى الإسلامِ»، والبابَ (١١) «الإسلامُ العامُّ دِينُ الأنبياءِ جميعًا». ↩