«فصل» (٤): عامّةُ المشركينَ إنّما يقعونَ في الشّركِ بسببِ جهلِهم
لو قيلَ بأنّ المشركينَ في الجاهليّةِ إنّما كانوا مشركينَ لمعانَدتِهم مع عِلمِهم بالحقِّ لكان ذلك قولًا عجيبًا ومِن أبيَنِ الدّلائلِ على جهلِ هذا القائلِ وفسادِه. بل هؤلاء الجاهليّونَ إنّما فعلُوا الشّركَ لشدّةِ جهلِهم كما سبقَ بيانُ ذلك في مواضعَ(١). فكيف يأتِي الآنَ أناسٌ ويَحكمونَ للمشركينَ اليومَ بالإسلامِ، مع أنّ مشركِي الجاهليّةِ عندهم مِن أعظمِ الكفّارِ؟ هذا أمرٌ عجيبٌ.
فكأنّ المشركَ عندهم كلّما ازدادَ عِلمًا بالحقِّ وكلّما تيسّرتْ له سبلُه كان أحقَّ بالعذرِ. فمَن عرفَ العربيّةَ وحفِظَ القرآنَ ثمّ عبدَ الأولياءَ مِن دونِ اللَّهِ عندهم معذورٌ بجهلِه، وأمّا المشركونَ في الجاهليّةِ فلا يتردّدونَ في جَعْلِهم مشركينَ اسمًا وحُكمًا. فأيُّ مقياسٍ هذا؟! وهذا تناقضٌ على أصلِهم الفاسدِ نفسِه.
والحقيقةُ أنّ أصلَهم يقتضِي كذلك كونَ اليهودِ والنّصارَى اليومَ أولَى بوصفِ الإسلامِ العامِّ بكثيرٍ، لأنّهم أجهلُ بحقيقةِ دِينِ الإسلامِ ونصوصِه، وسبيلُهم إلى العِلمِ أصعبُ مِن سبيلِ المشركينَ الذين يتكلّمونَ العربيّةَ ويَعبدونَ القبورَ والدّستورَ بتفضيلِه على حُكمِ اللَّهِ، والمشايخَ والأولياءَ، إلى غيرِ ذلك مِن نواقضِ الإسلامِ المنتشرةِ بينَ النّاسِ اليومَ.
كلُّ هذه تناقضاتٌ شديدةٌ متسلسِلةٌ، والأمرُ على ما سبقَ مِن أنّ أكثرَ النّاسِ إنّما يَفعلونَ الشّركَ جهلًا لا عن عِلمٍ ومعانَدةٍ.
الهوامش
- انظرِ البابَ (٥)، الفصلَ (٢) «استعمالُ «سَلِمَ» في القرآنِ في قولِه تعالَى ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ ومَثَلُ المسلمِ والمشركِ»، والبابَ (١٧)، الفصلَ (٦) «أمثلةُ المشركِ الجاهلِ وعدمُ عُذرِه في القرآنِ». ↩