ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (٢٠): مَن جَعلَ نوعًا مِنَ المشركينَ مسلمينَ بجهلِهم يَلزمُه ذلك في جميعِ أنواعِ المشركينَ، وقولُه تعالَى ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾

«فصل» (٢): كثيرٌ مِنَ المشركينَ السّابقينَ أولَى بالإسلامِ على هذا الأصلِ الباطلِ

وسببُ ذلك أنّه إذا أَمكنَ أن يكونَ مسلمًا مَن عبدَ بعضَ الأمواتِ، فمَن عبدَ أحدَ الأنبياءِ، بل أحدَ أُولِي العزمِ مِنَ الرّسلِ، أولَى بذلك، إذ لا شكَّ أنّ الأنبياءَ أفضلُ مِن سائرِ الأمواتِ. فالنّصارَى العابدونَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليه السلام على قولِهم أولَى بالإسلامِ مِن هذا الوجهِ، لأنّهم انتسبُوا إلى دِينِه وفعلُوا ذلك جهلًا مِنهم.

وإذا أَنكرَ المخالِفُ ذلك واعترضَ أنّه لا يُقِرُّ أنّ مَن جعلَ عِيسَى ابْنَ اللَّهِ يُمكِنُ أن يكونَ مسلمًا، يُقالُ له: لماذا لا يُمكِنُ ذلك؟ لأنّه شركٌ أكبرُ؟ فكيف يُفرِّقُ بينَ نوعَينِ مِنَ الشّركِ الأكبرِ؟ فثَبَتَ أنّه لا يُمكِنُ التّفريقُ بينَهما إذ لا دليلَ على هذا التّفريقِ بحالٍ، بل كِلاهما مشركٌ، بل الذي يَعبدُ أمواتًا غيرَ الأنبياءِ أولَى بكونِه مشركًا مِنَ الذي يَعبدُ نبيًّا بالاعتبارِ المذكورِ كما سبقَ، وخصوصًا إذا كان ذلك المشركُ المنتسِبُ إلى الإسلامِ أَشركَ باللَّهِ في شؤونِ الرّبوبيّةِ وادّعَى لمعبودِه التّصرُّفَ في أمورِ الكونِ وما يُشبِهُ ذلك، كما يقعُ اليومَ مِن كثيرٍ مِن أهلِ الشّركِ، فمِثلُ هذا أولَى أن يكونَ مشركًا في كلِّ ما ذُكِرَ!

لكنّ الأعجبَ أنّ بعضَ القائلينَ بهذا القولِ الفاسدِ يلتزمونَ هذه اللّوازمَ الباطلةَ ويُقِرّونَ بإسلامِ مَن جعلَ عِيسَى ابْنَ اللَّهِ وعبَدَه. فكيف يكونُ مَن يقولُ هذا قد فهِمَ معنَى التّوحيدِ؟