تصريحهُ لأبيهِ أنَّهُ يفضِّلُ دينَ النَّصارى
قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي، وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي وَشَغَلْتُهُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ، قَالَ: فَلَمَّا جِئْتُهُ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، أَيْنَ كُنْتَ؟ أَلَمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ مَا عَهِدْتُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَتِ، مَرَرْتُ بِنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ، فَوَاللهِ مَازِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: كَلَّا وَاللهِ إِنَّهُ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا9، قَالَ: فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رِجْلَيَّ قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ،
- أنَّهُ قالَ لِأبيهِ – مع علمِهِ بتمسُّكِ أبيهِ بدينِ آبائِهِ – ما حصَلَ لهُ في ذلكَ اليومِ وما رأى، وصرَّحَ لهُ أنّ ذلكَ الدِّينَ أعجبَهُ.
- أنَّهُ أنكَرَ على أبِيهِ وصرَّحَ لهُ بِبُطلانِ دينِهِ وأنَّ غيرَهُ أحسنُ منهُ.
- أنَّ أباهُ لمَّا رأى ذلكَ منهُ خافَهُ، فبعدَ كلِّ هذهِ الرِّعايةِ واجتهادِ أبيهِ في حبسِ ابنِهِ عنْ كلِّ ما يَصرِفُهُ عنْ دينِهِ فإذا ولدُهُ يطَّلعُ مرَّةً واحدةً على أهلِ دينٍ آخرَ وصلاتِهِمْ ويقتنعُ بهذا الدِّينِ الجديدِ إلى درجةِ أنَّهُ يصرِّحُ لأبيهِ بذلكَ ويردُّ عليهِ إنكارَهُ ولا يبالي بما سيكونُ بعدَهُ، فعَلمَ أبوهُ منهُ شدَّةَ اقتناعِهِ وصلابتَهُ في أمرِهِ، فمِنْ أجلِ ذلكَ خافَهُ!
- أنَّ اللهَ - سبحانهُ وتعالى - إذا أرادَ شيئًا وقدَّرهُ فلنْ يصرفَهُ أحدٌ عنْ مرادِهِ، وأنَّ اللهَ إذا عَلِمَ مِنْ أحدٍ خيرًا فإنَّهُ يَهديهِ مَهما كانتِ العوائقُ والحوائلُ، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 125].
ويَظهرُ هذا جليًّا في قصَّةِ سلمانَ إذِ الظروفُ كلُّها كانتْ ممَّا يمنعُ المرءَ عنْ التَّحوُّلِ إلى حالةٍ أخرى وإلى دينٍ آخرَ، لكنْ إذا علمَ اللهُ مِنْ أحدٍ الصِّدقَ أخرجَهُ مِنْ هذهِ الحالةِ كما تُنزعُ الشَّعرةُ مِنَ العجينِ، فسبحانَ اللهِ القائلِ: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]،
- أنَّ البحثَ عنِ الدِّينِ الحقِّ قدْ يتطلَّبُ التطوُّرَ والمرورَ على مراحلَ حتّى يجدَ الحقَّ بعينِهِ، ومثلُ هذا يحصلُ لأحسنِ النَّاسِ دينًا وإيمانًا كما حصلَ لسلمانَ الفارسيِّ، وقدْ حصلَ لعددٍ مِنْ أئمَّةِ السَّلفِ الذينَ تربَّوا على بدعةٍ ثمَّ انقادُوا للحقِّ سُرعانَ ما تبيَّنَ لهمْ حتّى صارُوا أئمَّةً متبوعينَ يُشارُ إليهمْ بالبَنانِ. ومِنَ النَّاسِ مَنْ يريدُ أنْ يُسقِطَ مَنْ يُخالفُهُ في بعضِ الجزئيَّاتِ بمثلِ هذا التَّنقُّلِ في المراحلِ، فقدْ علمتَ بهذا الحديثِ ومثلِهِ أنَّهُ لا عبرةَ بقولِهِ ولا يُلتفتُ إليهِ. وأمَّا تنقُّلُ أهلِ البِدَعِ والأهواءِ وتقلُّبُهمْ فهو مع وجودِ الحقِّ عندهمْ وتمكُّنِهمْ منهُ ولنُفرتِهمْ عنْه، فلينتبهِ المرءُ ألَّا يجمعَ بينَ الأمرينِ فشَتَّانِ ما بينهما.
- أنَّ مَنْ فيهِ صلاحٌ وخيرٌ وصدقٌ في البحثِ فإنَّهُ يظهرُ لهُ الفرقُ بينَ الدِّينينِ ويرى فضلَ أحدِهما على الآخرِ فيختارُ الأحسنَ قدْرَ الإمكانِ، حتّى إنْ كانَ في الآخَرِ باطلٌ أيضًا، لكنَّهُ يتَّبعُ الأحسنَ إذا ما تيسَّرَ لهُ وحسَبَ علمِهِ وقدرتِهِ.
- أنَّ دَيدنَ أهلِ الباطلِ في معاملتِهمْ لِمَنْ يَبدَأُ يَتظاهرُ بمخالفةِ أمرِهمْ كذلكَ مراحلُ:
- (1) فالمرحلةُ الأولى: صرفُ النَّاسِ عنْ كلِّ دينٍ آخرَ حتّى لا يعلَموا شيئًا عنْ غيرِ دينِهمْ أصلًا فلا يَفتتِنوا بهِ.
- (2) والمرحلةُ الثَّانيةُ: إذا لمْ يتمكَّنوا مِنْ ذلكَ وحصلتْ للنَّاسِ معرفةٌ بالدِّينِ الآخرِ، فإنَّهم يبدؤونَ بمناقشتِهمْ وإنكارِ الدِّينِ الآخرِ والتَّنفيرِ منهُ.
- (3) ثمَّ المرحلةُ الثَّالثةُ: إذا رأَوا أنَّ النَّاسَ معَ ذلكَ ثابتونَ على ما تبيَّنَ لهمْ ولا ينصرفونَ عنهُ بهذهِ المناقشةِ والإنكارِ، فعندئذٍ يبدؤونَ بالتَّشديدِ عليهمْ ومنعِهمْ بالقوَّةِ. وهذا كقولِ ورقةَ بنِ نوفلٍ رحمهُ اللهُ10 للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في أوَّلِ أمرِ الوحيِ الذي رواهُ البخاريُّ في أوَّلِ «الصَّحيحِ» في حديثِ بدءِ الوحيِ عنْ عائشةَ رضي الله عنها: «لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ»، قالَ ورقةُ ذلكَ لعلمِهِ بالأديانِ وبقِصَصِ الأنبياءِ وما حصلَ لهمْ معَ أقوامِهمْ.
وكلُّ هذهِ المراحلِ مذكورةٌ في قصَّةِ سلمانَ هذهِ كما سبقَ.
الهوامش
- وعندَ ابنِ إسحاقَ زيادةٌ: «هؤلاءِ قومٌ يعبدونَ اللَّهَ ويَدْعونهُ ويصلّونَ لهُ، ونحنُ إنَّما نعبدُ نارًا نوقدُها بأيدِينا، إذا تركناها ماتتْ، فخافني». ↩
- على أنَّ ورقةَ بنَ نوفلٍ ماتَ مؤمنًا بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مصدِّقًا بهِ ومُتَّبعًا لهُ، لقولِهِ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في حديثِ بدءِ الوحيِ في بدايةِ «صحيحِ البخاريِّ»: «وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا» - على ما يبدُو لي واللهُ أعلمُ، معَ الاختلافِ الواقعِ في إيمانِهِ وهلْ يُسمَّى مسلمًا معَ موتِهِ فِي أوائلِ البِعثةِ قبلَ انتشارِ الدَّعوةِ وهلْ يُعدُّ مِنَ الصَّحابةِ وهلْ كانَ قبلَ ذلكَ على دينِ النَّصارى المحرَّفِ أمْ لا، فهذهِ مسائلُ أخرى. وذُكرَ في بعضِ الأحاديثِ ما يدلُّ على إيمانِه وليسَ هاهنا محلُّ الكلامِ فيها، واللهُ تعالى أعلمُ. ↩