كلمةٌ حولَ كلامِ المُحقِّقينَ في أسانيدِ هذا التَّفسيرِ ومعاملةِ علماءِ السَّلفِ لأسانيدِ التَّفسيرِ
يَكثرُ في كلامِ المُحقِّقينَ - وخصوصًا في إصدارِ دارِ ابنِ الجوزي - تضعيفُ الأسانيدِ، وقد أثارَ هذا إنكارَ عددٍ من النَّاسِ لأنَّهُ يُضعِفُ حُجَّةَ التَّفاسيرِ المأثورةِ في أعيُنِ القُرَّاءِ وخصوصًا غيرِ الدَّارسينَ منهم.
لذا لا بدَّ من التَّنبيهِ إلى منهجِ السَّلفِ في مُعاملةِ رواياتِ التَّفسيرِ وغيرِها إذا كان في الإسنادِ شيءٌ من الضَّعفِ لا يبلُغُ أن يكونَ ضَعفًا شديدًا كالكَذِبِ. وسبقتِ الإشارةُ إلى أنَّ فَهمَ منهجِ السَّلفِ في غايةِ الأهمِّيَّةِ عُمومًا، وفي التَّفسيرِ خصوصًا. فالسَّلفُ كانوا يَقبلونَ ما فيه ضَعفٌ يسيرٌ بشروطٍ وفي مجالاتٍ معيَّنةٍ دونَ غيرِها، ليس كما يَظنُّ عامَّةُ النَّاسِ اليومَ أنَّهم ما عرَفوا في الأخبارِ إلَّا تمامَ الصِّحَّةِ يُقبلُ في كلِّ شيءٍ، أو تمامَ الضَّعفِ يُرَدُّ على كلِّ حالٍ، بل كانوا يُفرِّقونَ ويَنظرونَ في كلِّ إسنادٍ وفي كلِّ نوعٍ منفردًا.
ولهم في هذا الأصلِ كلامٌ كثيرٌ ولا يمكنُ أن يُستفاضَ في هذا الموضوعِ هاهُنا، ولكنْ على سبيلِ المثالِ: روى الحاكمُ في «المستدركِ» بإسنادِهِ عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ قال: «إذا رَوَيْنا عنِ النَّبيِّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم في الحلالِ والحرامِ والأحكامِ شدَّدنا في الأسانيدِ وانتقدْنا الرِّجالَ، وإذا رَوينا في فضائلِ الأعمالِ والثَّوابِ والعقابِ والمباحاتِ والدَّعَواتِ تساهلْنا في الأسانيدِ».
وروى الخطيبُ في «الجامعُ لأخلاقِ الرَّاوي وآدابِ السَّامعِ» عن سفيانَ الثَّوريِّ قال: «خُذوا هذهِ الرَّغائِبَ وهذهِ الفضائلَ منَ المشْيَخةِ، فأمَّا الحلالُ والحرامُ فلا تأخذوهُ إلَّا عمَّن يَعرِفُ الزِّيادةَ فيهِ منَ النَّقصِ».
وروى عن يحيى بنِ سعيدٍ القَطَّانِ قولَهُ: «تَسَاهَلُوا فِي أَخْذِ التَّفْسِيرِ عَنْ قَوْمٍ لَا يُوَثِّقُونَهُمْ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ ذَكَرَ لَيْثَ بْنَ أَبِي سُلَيْمٍ6 وَجُوَيْبِرَ بْنَ سَعِيدٍ وَالضَّحَّاكَ وَمُحَمَّدَ بْنَ السَّائِبِ وَقَالَ: هَؤُلَاءِ لَا يُحْمَدُ أَمْرُهُمْ7 وَيُكْتَبُ التَّفْسِيرُ عَنْهُمْ.»
فالسَّلفُ كانوا يَقبلونَ مثلَ هذه الأخبارِ في فضائلِ الأعمالِ وفي التَّفسيرِ بشرطِ ألَّا يكونَ فيها ضَعفٌ شديدٌ، وأن يكونَ هناك من الشَّواهدِ وكليَّاتِ الشَّريعةِ ما يُؤيِّدُهُ ولا يُخالفُهُ، وألَّا يُخالفَ نصًّا ثابتًا في الدِّينِ، فإذا كان له أصلٌ معروفٌ وكان عليه عملُ السَّلفِ قَبِلوهُ واحتجُّوا به، ولعلَّهم احتجُّوا به في الجملةِ دون الأخذِ لبعضِ التَّفاصيلِ المذكورةِ فيه.
ولا يَصِحُّ أنَّهُم أنكروا الضَّعيفَ جملةً وتفصيلًا، فالبخاريُّ مثلًا شدَّدَ في «الجامعِ الصَّحيحِ» تشديدًا زائدًا على ما هو معروفٌ، لكنَّهُ ذكرَ في التَّراجمِ كثيرًا ممَّا فيه كلامٌ من الأحاديثِ وأقوالِ السَّلفِ تأييدًا للأحاديثِ المُسنَدةِ الصَّحيحةِ الَّتي يذكرُها في كتابِهِ، وكذلكَ في «الأدبِ المُفرَدِ» ذكرَ هذا النَّوعَ كثيرًا محتجًّا به، فلو لم يكنْ عندهُ في هذه الأخبارِ أدنى حجَّةٍ ما رَوى شيئًا منها البتَّةَ، وعلى هذا عملُ عامَّةِ علماءِ السَّلفِ.
كذلكَ علماءُ الحديثِ المتقدِّمونَ ربَّما قبِلوا مِنَ الرَّاوي إذا روى القولَ عن شيخِهِ مباشرةً، مع أنَّهُم تركوا منه ما رفعَهُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومِن ذلكَ ما جاءَ عن أحمدَ لمَّا سُئِلَ عن جُويبرِ بنِ سعيدٍ الأزْديِّ الذي يَروي كثيرًا من التَّفسيرِ عن الضَّحَّاكِ بنِ مُزاحمٍ: «مَنْ أَحَبُّ إِلَيْكَ جُوَيْبِرٌ أَوْ كَثِيرٌ؟ قَالَ جُوَيْبِرٌ أَكْثَرُ، قَدْ رَوَى عَنِ الضَّحَّاكِ فِي التَّفْسِيرِ أَحَادِيثَ حِسَانًا، مَا لَمْ يُسْنِدْ إِلَى النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَلَا بَأْسَ بِحَدِيثِهِ»8، فهو حَسَّنَ مَرويَّاتِهِ في التَّفسيرِ عن الضَّحَّاكِ في الجملةِ، بخلافِ ما يرفَعُهُ. فالسَّلفُ أئمَّةُ الحديثِ كانوا أدرَى النَّاسِ بالرِّجالِ وتفاصيلِ حالِهم، وعلِموا أنَّ الرَّاويَ قد يكونُ جيِّدًا حينَ يَروي عن شيخِهِ القولَ، وأنَّهُ يضعُفُ في غيرِ هذا، ولذلكَ أمثلةٌ في كلامِهم.
ثمَّ لا بدَّ من التَّنبيهِ إلى أنَّ كثيرًا من تفاسيرِ السَّلفِ رُوِيَت عن طريقِ الصَّحائفِ، وحُكمُ الصَّحيفةِ والكِتابِ يختلفُ عن حُكمِ الرِّوايةِ الواحدةِ عند أهلِ الحديثِ. فمِن ذلك صحيفةُ عليِّ بنِ أبي طلحةَ المشهورةُ، الَّتي قالَ أحمدُ فيها كما ذكَرَ عنه أبو جعفرٍ النَّحَّاسُ في «إعرابِ القرآنِ»: «وقدْ قال أحمدُ بنُ محمّدِ بنِ حنبلٍ: بمصرَ صحيفةٌ في التَّفسيرِ رواها عليُّ بنُ أبي طلحةَ، لو رَحَلَ فيها رجلٌ إلى مِصرَ قاصدًا ما كان كثيرًا». فالصَّحيفةُ والكِتابُ إذا عُرِفَ ناقلُها ومصدرُها عند السَّلفِ وانتشرت بينهم تكونُ مقبولةً، ولا يمكنُ رَدُّ روايةٍ منها بسهولةٍ كلَّما وجدَ المرءُ فيها شيئًا لا يوافقُ رأيَهُ كما يتوهَّمُهُ كثيرٌ من النَّاسِ اليومَ. فمَن رَدَّ روايةً من الصَّحيفةِ طاعنًا في إسنادِها لزِمَهُ أن يَرُدَّ الصَّحيفةَ كلَّها، وقد تشتملُ على مئاتِ الرِّواياتِ. فليُفهَمْ هذا، وفي التَّفسيرِ المأثورِ صحائفُ كثيرةٌ، ومَن تأمَّلَ أسانيدَ ابنِ أبي حاتمٍ في تفسيرِهِ ظهرَ له هذا جليًّا.
وهناك أسبابٌ أُخرى لقَبولِهِم مثلَ هذه الأخبارِ في التَّفسيرِ لا تتَّسِعُ لذِكرِها والتَّفصيلِ فيها هذه الرِّسالةُ الموجزةُ، منها أنَّ هذه الرِّواياتِ كثيرًا ما يَعضُدُ بعضُها بعضًا وإن كان في آحادِ أسانيدِها ضَعفٌ، ومنها أنَّ النَّاسَ في الزَّمنِ الأوَّلِ تعلَّموا معانيَ القرآنِ مع ألفاظِهِ، فأخذوا هذه العُلومَ ضِمنًا بطريقةِ نقلِ المعاني لانتشارِها بينَهم.
فإذا فُهِمَ ذلك تبيَّنَ أنَّ الضَّعفَ في رواياتِ ابنِ أبي حاتمٍ في التَّفسيرِ لا يمكنُ أن يُفهَمَ منه إسقاطُها بالمَرَّةِ، ولكنَّ عملَ المُحقِّقينَ يُوهِمُ القُرَّاءَ ذلك، وهذا إشكالٌ. هذا مع التَّنبيهِ إلى أنَّهُم أشاروا إلى هذا الأمرِ وذكروا في مقدِّمةِ التَّحقيقِ أنَّ الضَّعفَ في الرِّواياتِ لا يعني رَدَّها على الإطلاقِ عند السَّابقينَ، فنقَلوا كلامَ ابنِ مهديٍّ المذكورَ فوقُ وقولَ يحيَى القَطَّانِ ومع ذلك ذهبوا بعيدًا عن مثلِ هذه الأقوالِ لَمَّا أنكروا على ابنِ أبي حاتمٍ مرارًا روايتَهُ لمِثلِ هذه الرِّواياتِ.
فقالوا: «لم يَسْلَمْ تفسيرُ ابنِ أبي حاتمٍ رَحِمَهُ اللهُ من الرِّواياتِ الضَّعيفةِ والإسرائيليَّاتِ كغيرهِ من كُتُبِ التَّفسيرِ الَّتي سبقَتْهُ أو عاصرتْهُ أو أُلِّفَتْ بعدَهُ. فقد حَشَدَ في تفسيرِهِ رواياتٍ كثيرةً ضعيفةً، ورواياتٍ إسرائيليَّةً، ولم يُنبِّهْ على ذلك.»
وهذا عجيبٌ، فكأنَّ الإمامَ لجهلِهِ وكثرةِ خطئِهِ - ومثلُهُ سائرُ المفسِّرينَ من السَّلفِ! - ملَأ تفسيرَهُ من أوَّلِهِ إلى آخرِهِ بهذه الأخبارِ. فالسؤالُ هو: هل المُحقِّقُ حقيقةً يظنُّ أنَّ ابنَ أبي حاتمٍ - مع إمامتِهِ في الجرحِ والتَّعديلِ كما ذكرَ المحقِّقُ نفسُهُ - لم يُدرِكْ كلَّ ذلكَ، وروى عامَّةَ الأخبارِ في التَّفسيرِ غفلةً؟ أليس الأولى أن يُقالَ: إنَّهُ في الجملةِ كان أدرَى بمواضعِ الضَّعفِ ممَّن يُحلِّلُ اليومَ كلامَهُ بعد أكثرَ من ألفِ سنةٍ وهُم مع ذلك دونَه في العلمِ بِمراحلَ؟ فهو الَّذي روى هذه الأخبارَ بنفسِهِ من أفواهِ شيوخِهِ مباشرةً، وكان قريبًا جدًّا من رجالِ الإسنادِ عُمومًا!
فقولُ المُحقِّقِ «لم يَسلَمْ» ثم «حَشَدَ تفسيرَهُ» تناقُضٌ في حدِّ ذاتِهِ، فليُعتَبَرْ. بل لا شكَّ أنَّ ابنَ أبي حاتمٍ تعمَّدَ روايةَ هذه الأخبارِ كما هي، مع علمِهِ بأسانيدِها وما فيها.
وقالَ المُحقِّقُ في فصلٍ بعنوانِ «تنبيهٌ واعتذارٌ»: «النَّاظرُ في الكُتُبِ المُصنَّفةِ في تفسيرِ القرآنِ العظيمِ يَجِدُ أنَّها تَحمِلُ في صفحاتِها الغَثَّ والسَّمينَ، والباطلَ الواضحَ والحقَّ المبينَ. وأكثرَ مُصنِّفوها من ذكرِ الحكاياتِ عن أهلِ الكتابِ، وليسَ بِهمُ احتياجٌ إلى أخبارِهم ومرويّاتِهم، وذكَروا ما لا يَصِحُّ من أسبابِ النُّزولِ، وأحاديثِ الفضائلِ.»
فكأنَّه يقولُ ويُكرِّرُ كالمؤدِّبِ والمرشدِ المعلِّمِ لابنِ أبي حاتمٍ وأمثالِهِ من السَّلفِ: (لسْتُم بحاجةٍ إلى هذه الأخبارِ، بل يُستغنَى عنها، وليس الأمرُ كما توهَّمتُم).
ثمّ قال أيضًا: «ولقد أخلَّ ابنُ أبي حاتمٍ بمنهجِهِ وشرطِهِ الَّذي ذكرهُ في مقدِّمةِ كتابِهِ هذا، حيثُ قال: «فتحَرَّيتُ إخراجَ ذلك بأصحِّ الأخبارِ إسنادًا، وأشبعِها9 متنًا.»»
بل الظَّاهرُ أنَّهُ لم يُخِلَّ، وقالَ المُحقِّقُ نفسُهُ بعد أسطُرٍ: «ولعلَّ المرادَ من قولِ ابنِ أبي حاتمٍ: «بأصحِّ الأخبار...» إلخ. أي أصحُّ ما وجَدَهُ من الرِّواياتِ في تفسيرِ الآيةِ، وإن كان بعضُها ضعيفًا، وفيهِ نكارةٌ؛ فإنَّ من مذهبِ العلماءِ الأقدَمينَ إخراجَ الإسنادِ الضَّعيفِ إذا لم يجِدْ في البابِ غيرَهُ.»، ولا شكَّ أنَّ ذلكَ مرادُهُ في الجملةِ - واللهُ أعلمُ -، على ما يأتي في التَّعليقِ على كلامِ المؤلِّفِ في المقدِّمةِ. ويُتساءلُ هنا أيضًا: هل يظنُّ المُحقِّقُ فعلًا أنَّ إمامًا في الجرحِ والتَّعديلِ روى آلافًا من الأخبارِ على أنَّها صحيحةٌ بل من أصحِّ الصَّحيحِ لأنَّهُ لم يُدرِكْ أنَّها ليست كذلك ودونَه بكثيرٍ؟! وما أعجبَ هذا الظنَّ.
وكذلكَ ليس صنيعُ ابنِ أبي حاتمٍ من بابِ أنَّ مَن ذكرَ الإسنادَ فقد أحالَ وبَرِئَ من العُهدةِ، كما يذكُرُ المُعاصِرونَ عادةً، ومِنهم هذا المُحقِّقُ لمَّا قال: «وربما يُقال: إنَّ مَن أسندَ فقد برئَ من العُهدةِ. وهذا واردٌ لولا ما ذكَرهُ في مقدِّمةِ كتابِهِ، ثم إنَّهُ يُعتبَرُ من أئمَّةِ الجرحِ والتَّعديلِ، وله في ذلك مُؤلَّفٌ مشهورٌ، وله مراتبُ في قَبولِ الرِّوايةِ ورَدِّها، فكان الواجبُ عليه الابتعادُ عن الرِّوايةِ عن الضُّعفاءِ والمتروكينَ، أو التَّنبيهُ على رِوايتِهم إذا ساقَها.» فمرَّةً أُخرى كالمؤدِّبِ ومُذكِّرًا للإمامِ بأنَّهُ ألَّفَ كتابًا في الجرحِ والتَّعديلِ فكيفَ غفَلَ عنه، وأنَّ هذا لا ينبغي لإمامٍ في الجرحِ والتَّعديلِ!
فيُقالُ جوابًا على هذا: وهل يُعقَلُ أنَّ جميعَ علماءِ السَّلفِ ملَؤوا كُتُبَهُم بما لا حجَّةَ فيه أصلًا عندهم، ولم يُنكِرْ ذلك بل لم يتنبَّهْ إليه أحدٌ منهم، وهم أعلمُ النَّاسِ بهذا الدِّينِ وأشدُّهُم في حفظِهِ والدِّفاعِ عنه؟
ولا ريبَ أنَّهُم أعلمُ النَّاسِ بالقرآنِ، بلْ هذا مِن أظهرِ الأمورِ. روَى أبو خَيْثَمَةَ زُهَيرُ بنُ حَرْبٍ في كتابِ «العِلمِ» بإسنادِهِ: «قالَ رجلٌ لمُطرِّفٍ: أَفَضْلُ مِنَ القرآنِ تُريدونَ؟ قالَ: لا، ولكنْ نريدُ مَن هو أعلمُ بالقرآنِ منَّا». ومُطرِّفُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الشِّخِّيرِ من علماءِ التَّابعينَ، فيَقصِدُ مَن هو أعلمُ منهم بمعانِي القرآنِ مِن الصَّحابةِ وكبارِ التَّابعينَ. ومُطرِّفٌ تُوفِّيَ سنةَ ٩٥ هـ، فإذا قالَ هو ذلكَ أَفَنَكونُ نحنُ بعدَ أكثرَ من أربعةَ عشَرَ قرنًا أعلمَ منَ السَّلفِ بأسانيدِ التَّفسيرِ وكيفيَّةِ نقلِهِ؟!
وقالَ أبو جعفرِ النَّحَّاسُ في «النَّاسخُ والمنسوخُ»: «وَإِذَا تَكَلَّمَ أَحَدٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي مَعْنَى آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ قَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِيهَا فَخَرَجَ عَنْ قَوْلِهِمْ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَى قَوْلِهِ وَلَمْ يُعَدَّ خِلَافًا»، فهذهِ الأقوالُ وغيرُها كثيرٌ تُبيِّنُ فضلَ علمِ السَّلفِ على علمِ الخَلَفِ، وأنَّ المتقدِّمينَ اعتمَدُوا تمامًا على أقوالِهم ولم يَخرُجوا عنها.
وزيادةً على ذلك فالمتأمِّلُ لكتبِ السَّلفِ لا يَستريبُ أنَّهُم في مواضعَ كثيرةٍ روَوا هذه الأخبارَ للاحتجاجِ، وقد علِموا أنَّها في حالاتٍ كثيرةٍ لا تَصلُحُ للتَّأسيسِ ولكنْ للتَّأنيسِ، فلا يمكنُ أنَّهُم في كلِّ هذه المواضعِ روَوُا الأخبارَ معتقدينَ فسادَها على الإطلاقِ، ولمجرَّدِ التَّعريفِ بها.
فـ«محاولةُ الاعتذارِ» عن ابنِ أبي حاتمٍ - كما يُسَمِّيها المُحقِّقُ - يُقالُ فيها: لا يُتَصوَّرُ أنَّ أهلَ الحديثِ وأهلَ التَّفسيرِ بأجمعِهم وقَعوا في أمرٍ شنيعٍ وخطإٍ جسيمٍ واستمرُّوا عليه قرونًا حتَّى يأتيَ دكاترةُ هذا الزَّمانِ ويُصحِّحوا خطأَهم ويعتذروا لهم.
ولكنَّ الكلامَ في هذا المقامِ يطولُ، وليس هذا محلَّ البسطِ فيه، وقد أكثرَ التَّنبيهَ على هذا الأمرِ بعضُ مَن يَشتغِلُ بالتَّفسيرِ في هذا العصرِ مشكورينَ. فليُكتفَ بهذا تعليقًا على كلامِ المُحقِّقينَ وصنيعِهم في هذا الإصدارِ - وغيرِهم كثيرينَ في هذا العصرِ - ليكونَ تنبيهًا لازمًا على تصوُّراتِ أكثرِ النَّاسِ اليومَ حولَ التَّفسيرِ المأثورِ وكُتُبِ السَّلفِ عُمومًا.
واللهُ أعلمُ، وأسألُ اللهَ تعالى أن يُوفِّقَنا جميعًا لفَهمٍ صحيحٍ وأصيلٍ لمصادرِ دينِ الإسلامِ، آمين.
الهوامش
- في الكتابِ «سَلْم» والصَّحيحُ ما أُثبِتَ هنا. وقوله «ثمَّ ذكَرَ» وما بعدَه من كلامِ النَّاقل. ↩
- وعند البيهقيِّ في «دلائلِ النبوَّةِ» هنا «حديثُهم». ↩
- في «المعرفةُ والتَّاريخُ» لِيعقوبَ الفَسَوِيِّ. ↩
- هكذا ذُكِرَ هنا، وفي نسخةٍ لِتفسيرِ ابنِ أبي حاتمٍ: «وأشبهِها متنًا» وهو أولى واللهُ أعلمُ، وسيأتي الكلامُ عليه في التَّعليقِ على المقدِّمةِ. ↩