منهجُهُ في اختيارِ الرِّواياتِ وحذفِ الإسنادِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ](١).
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ [الْحَافِظُ] أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ الْإِمَامِ [الْحَافِظِ الْكَبِيرِ] أَبِى حَاتِمٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ [الرَّازِيُّ رحمه الله وَرَضِيَ عَنْهُ]:
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ خَاتَمِ(٢) الْأَنْبِيَاءِ وَعَلَى آلِهِ(٣) أَجْمَعِينَ.
سَأَلَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ إِخْوَانِي(٤) ...
إِخْرَاجَ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ مُخْتَصَرًا بأصحِّ الأسانيدِ(٥)،
وحذْفِ(٦) الطُّرُقِ [والشَّواهدِ والحروفِ] والرِّواياتِ، وَتَنْزِيلِ السُّوَرِ(٧)،
وَأَنْ نَقْصِدَ لِإِخْرَاجِ التَّفْسِيرِ مُجَرَّدًا دُونَ غَيْرِهِ(٨)،
مُتَقَصِّينَ تَفْسِيرَ الْآيِ(٩)
حَتَّى لَا نَتْرُكَ حَرْفًا مِنَ الْقُرْآنِ يُوجَدُ لَهُ تَفْسِيرٌ إِلَّا أُخْرِجَ ذَلِكَ(١٠). فَأَجَبْتُهُمْ إِلَى مُلْتَمَسِهِمْ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقِ، وَإِيَّاهُ نَسْتَعِينُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. فَتَحَرَّيْتُ إِخْرَاجَ ذَلِكَ بِأَصَحِّ الْأَخْبَارِ إِسْنَادًا، وَأَشْبَهِهَا مَتْنًا(١١)،
الهوامش
- ما كان بين معكوفينِ لا يوجدُ في كلِّ نُسخةٍ، وقد أشارَ إلى ذلك المُحقِّقون. ↩
- كقولِهِ تعالَى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وقرأَه عاصمٌ بفَتحِ التَّاءِ وباقِي القرَّاءِ بكسرِها. ↩
- أمَّا «الآلُ» فأصلُه كما قال الخليلُ في «العَين»: «آلُ الرَّجلِ: ذو قَرابتهِ، وأهلُ بَيْتِه»، وهو عندَ كثيرٍ من أهلِ العلمِ لفظٌ جامعٌ يمكنُ أن يدخُلَ فيه أهلُ بيتِ الرَّجلِ ومَن معه وأتباعُهُ، ذكَره الأزهريُّ في «تهذيبُ اللُّغةِ»: «وَقَالَ أَحْمدُ بنُ يحيَى: اخْتلَف النَّاسُ فِي الْآلِ، فَقَالَت طَائِفَةٌ: آلُ النَّبيِّ مَن اتّبعه، قرَابَةً كَانَ أَو غَيرَ قَرابةٍ» ثم أطال فيه وذكَر كلامَ الشَّافعيِّ في ذلك. فلهذا اكتفى المؤلِّفُ به هنا، واللهُ أعلمُ. ↩
- فهو ألَّف هذا التَّفسيرَ استجابةً للطَّلبِ المذكورِ، كما حصَلَ عند كثيرٍ من المؤلِّفينَ أنَّ كتبَهم أُلِّفَت بهذا السَّببِ. ↩
لا شكَّ أنَّ صنيعَ المؤلِّفِ من اختيارِهِ لـ«أصحِّ الأسانيدِ» مع إمامتِهِ في هذا العِلمِ قد أعطى تفسيرَهُ قوَّةً تُميِّزُهُ عن عامَّةِ مؤلَّفاتِ التَّفسيرِ، وجعلَ لتفسيرِ ابنِ أبي حاتمٍ مقامًا رفيعًا وأهمِّيَّةً كبيرةً لكلِّ مَن يريدُ فَهمَ كتابِ اللهِ تعالى.
ومع ذلكَ لا بدَّ من التَّنبيهِ إلى أنَّ أهلَ الحديثِ ما قصدوا بقولِهِم «أصحُّ الأسانيدِ» في مثلِ هذا السِّياقِ أنَّها صحيحةٌ كلُّها، ولا أنَّها أصحُّ الأسانيدِ على الإطلاقِ. فعند بحثِهِم عن أصحِّ الأسانيدِ على الإطلاقِ وضَّحوا قصدَهم، كالذي روَاه الحاكم في «معرفةُ علومِ الحديثِ» عن أبي عبدِ اللهِ البخاريِّ قال: «أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ كُلِّهَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ»، ثم قد يَبحثونَ عن أصحِّ إسنادٍ في مجالٍ معيَّنٍ أو لراوٍ على الخصوصِ. وأمَّا كلامُ المؤلِّفِ هنا فهو بعيدٌ جدًّا عن هذا، بل المرادُ ما يَكثُرُ من قولِهِم في حديثٍ ما «هو أصحُّ ما في البابِ» أو نحوُهُ، وليس معنى ذلك أنَّهُ صحيحٌ عندهم، بل هو أصحُّ من غيرِهِ، وكلامُه هنا عمومًا في أسانيدِ التَّفسيرِ.
وظاهرٌ من كلامِ المؤلِّفِ أنَّهُ يَقصِدُ هذا المعنَى، واللهُ أعلمُ، ويَظهرُ هذا أيضًا لِمَن تأمَّلَ صَنيعَهُ وأسانيدَهُ، فهو بنفسِهِ يُشيرُ أحيانًا - وإن كان نادرًا - إلى ضَعفِ الرِّوايةِ، أو يُصرِّحُ بتضعيفِ الرَّاوي في كُتُبِهِ الأُخرى. فحَتَّى إن لم يَذكُرْ شيئًا في تفسيرِهِ - كما فعَلَ غالبًا - فلا شكَّ مع إمامتِهِ في الجرحِ والتَّعديلِ أنَّهُ على علمٍ تامٍّ بما في هذه الأسانيدِ في الجملةِ. لكن قد سبَقَ التَّنبيهُ في مقدِّماتِ هذه الرِّسالةِ أنَّهُ كغيرِهِ من أهلِ العِلمِ في زمانِهِ وقبلَهُ احتجَّ بهذه الرِّواياتِ عُمومًا لصلاحيَتِها عندَهم في بابِ التَّفسيرِ - وإن كان قد لا يَرى الرِّوايةَ المعيَّنةَ حجَّةً، وهذا يحتاجُ إلى تأمُّلٍ ومُقارنةٍ وعِلمٍ ممَّن ينظُرُ في الرِّواياتِ المختلفةِ لتفسيرِ آيةٍ معيَّنةٍ في كتابِ اللهِ.
فَعلَيهِ يُقالُ: لا شكَّ أنَّهُ لم يَرَ صِحَّةَ كلِّ هذه الأسانيدِ حسبَ معاييرِ المُحدِّثينَ في مجالِ الحلالِ والحرامِ، ثمَّ السُّؤالُ بعد ذلك: هل رأى ابنُ أبي حاتمٍ أنَّ جميعَ رواياتِهِ تَصلُحُ حجَّةً في التَّفسيرِ ولا يمكنُ رَدُّ شيءٍ منها فيه؟ فالذي يَبدو أن يُقالَ - واللهُ أعلمُ: قصَدَ المؤلِّفُ أنَّ رواياتِهِ حجَّةٌ في الجملةِ، مع وجودِ بعضِ ما قد يُرَدُّ لأسبابٍ، ولعلَّهُ في بعضِ الرِّواياتِ يرى الحجَّةَ في أصلِ الرِّوايةِ دون جميعِ التَّفاصيلِ المذكورةِ فيها، فهو يَروي أحيانًا أخبارًا أصلُها واحدٌ لكنَّ تفاصيلَها مختلفةٌ، بل قد تكونُ متعارضةً، فيُفهَمُ منه حينئذٍ قوَّةُ الأصلِ والتَّردُّدُ في التَّفاصيلِ، واللهُ أعلمُ.
فهذا ما يمكنُ أن يُقالَ هنا باختصارٍ، وأمَّا التَّفصيلُ فإنَّ الكلامَ فيه يطولُ حولَ مناهجِ المُفسِّرينَ من السَّلفِ، ومنهجِ المؤلِّفِ في تفسيرِهِ خاصَّةً. ↩
- أي: سألوني إخراجَ التَّفسيرِ بأصحِّ الأسانيدِ وبحذفِ الطُّرُقِ. ويمكنُ ضبطُهُ بالفتحِ، أي: سألوني إخراجَ التَّفسيرِ بأصحِّ الأسانيدِ، وسألوني أيضًا حذفَ الطُّرُقِ ... ↩
ذكرَ المؤلِّفُ أنّه جعل تفسيرَهُ «مُخْتَصَرًا»، وقد سبَقَ بيانُ أنَّ أشملَ الطَّبَعاتِ اليومَ ذاتُ مجلَّداتٍ كثيرةٍ - مع أنَّ جزءًا كبيرًا من هذا التَّفسيرِ مفقودٌ -، فهو تفسيرٌ واسعٌ، وقصدُهُ كما بيَّن بعد ذلك أنَّهُ حذَف كثيرًا من الأشياءِ. فمن ذلك «الطُّرُقُ» ومرادُهُ - على ما يَبدو - الطُّرُقُ المختلفةُ للرِّوايةِ الواحدةِ الَّتي تَلتقي في موضعٍ ما من الإسنادِ، وهي ما يُقالُ له «المُتابَعاتُ». ومنه «الشَّواهدُ» وهي عندَ المُحدِّثينَ أحاديثُ أو آثارٌ أُخرى تَشهَدُ لمعنى هذه الرِّوايةِ أو لبعضِها.
ثمَّ «الحروفُ» وكلمةُ «الحَرفِ» تأتي بمعانٍ، منها ما قالَ الخليلُ بنُ أحمدَ في «العَينِ»: «وكلُّ كلمةٍ تُقرَأُ على وُجوهٍ من القرآنِ تُسمَّى حَرفًا، يُقال: يُقرَأُ هذا الحَرفُ في حَرفِ ابنِ مسعودٍ أيْ في قراءتِهِ»، وقالَ أبو داودَ في إحدى تراجمِ كتابِ «السُّننِ»: «كتابُ الحروفِ»، وفي بعضِ إصداراتِ الكتابِ جاء من بعضِ النُّسَخِ: «كتابُ الحروفِ والقِراءاتِ»، وفي بعضِها: «كتابُ القِراءاتِ».
ويبدُو أنَّ هذا ما أرادَ المؤلِّفُ هنا أي القِراءاتُ. والقراءاتُ كثيرةٌ حسبَ اختيارِ القارئِ وإنِ اشتَهرَ منها السَّبْعُ والعَشْرُ، وهي غيرُ الأحرُفِ السَّبعةِ المذكورةِ في الحديثِ قطعًا لأنَّ الذي سبَّعَ السَّبْعةَ - أي اختارَها لأوَّلِ مرَّةٍ - هو ابنُ مُجاهدٍ في كتابِهِ «السَّبعةُ»، وهو تُوفِّيَ ٣٢٤ هـ، ولأنَّ القِراءاتِ كثيرةٌ كما سبَقَ بخلافِ الأحرفِ. وقولُ المؤلِّفِ «والشَّواهدِ والحروفِ» ليس في كلِّ النُّسَخِ، فاللهُ أعلمُ.
وأمَّا قولُهُ «والرِّواياتِ» فكأنَّهُ يَقصِدُ رواياتِ التَّفسيرِ الأُخرى الَّتي تُعبِّرُ عن نفسِ المعنى، وإن كان كذلك فالمقصودُ أنَّهُ يكتفي بروايةٍ واحدةٍ لهذا التَّفسيرِ في الجملةِ ولا يُلزِمُ نفسَهُ أن يُكرِّرَ التَّفسيرَ الواحدَ. هذا مع التَّنبيهِ السَّابقِ إلى اختلافِ النُّسَخِ في هذا التَّعدادِ، فلا يُستَبعَدُ أنَّهُ قد وقعَ فيه تكرارٌ، واللهُ أعلمُ.
وحذَفَ أيضًا «تنزيلَ السُّوَرِ»، ويُفهَمُ من ظاهرِ كلامِهِ - واللهُ أعلمُ - أنَّهُ يَقصِدُ جمعَ النُّصوصِ الدَّالَّةِ على أنَّ السُّورةَ مكيَّةٌ أو مدنيَّةٌ، فهذا لم يذكُرْهُ أيضًا. ولعلَّ بعضَ النَّاسِ يَفهَمُ منه «أسبابَ النُّزولِ»، وابنُ أبي حاتمٍ لم يُكثِرِ الكلامَ في أسبابِ النُّزولِ وجَمعِ الرِّواياتِ لذلك، إلَّا أنّهُ كذلك لم يَحذِفْها أصلًا، بل ذكرَ الرِّواياتِ المشهورةَ في ذلكَ عُمومًا.
وعندَ تأمُّلِ ما حذفَهُ المؤلِّفُ يُستفادُ من كلامِهِ أنَّهُ كانت عندَهُ رواياتٌ وطُرُقٌ وشواهِدُ أُخرى كثيرةٌ ونصوصٌ في عُلومٍ أُخرى من التَّفسيرِ لم يذكُرْها في هذا التَّفسيرِ، وهو مع ذلك تفسيرٌ ضخمٌ. فيُفهَمُ من ذلك سَعةُ عِلمِ هذا الإمامِ، وكثرةُ ما تجمَّعَ لديهِ ولدى أمثالِهِ من علماءِ الحديثِ، كما ذُكِرَ مثلًا عن أحمدَ أنَّهُ ألَّفَ تفسيرًا جامعًا وإن لم يَصِلْ إلينا شيءٌ منه، فيُمكنُ للمرءِ أن يَتصوَّرَ أيُّ مادَّةٍ توفَّرت عندَ أئمَّةِ السَّلفِ من التَّفسيرِ وغيرِهِ!
ومن ذلكَ كلِّهِ يُعرَفُ مرادُ المؤلِّفِ من وصفِهِ تفسيرَهُ بالاختصارِ، فهو نظَرًا لكلِّ ما حذفَهُ ولم يذكُرْهُ فيه مُختصرٌ جدًّا، وإن كان باعتبارِ ما تجمَّعَ فيه من الرِّواياتِ بعد الحذفِ لم يَزَلْ تفسيرًا واسعًا ذا فائدةٍ عظيمةٍ في معرفةِ معنى كلامِ اللهِ، إذ كان أعلمَ النَّاسِ بمعناهُ سلفُ الأُمَّةِ، فلا بُدَّ من الرُّجوعِ إلى علمِهم في التَّفسيرِ، وبذلكَ تَظهرُ الأهمِّيَّةُ الكبيرةُ لتفسيرِ ابنِ أبي حاتمٍ. ↩
ذكرَ ابنُ أبي حاتمٍ هنا ضميرَ جماعةِ المتكلِّمينَ، وليس هذا ضميرَ المُعظِّمِ نفسَهُ، بل قد يُستَعمَلُ ضميرُ الجمعِ للمتكلِّمِ الواحدِ، وهذا الاستعمالُ كثيرٌ عندَ علماءِ السَّلفِ قديمًا، واللهُ أعلمُ.
وَقال: «وأنْ نَقصِدَ لإخراجِ التَّفسيرِ مُجرَّدًا دونَ غيرِهِ» وهذا مهمٌّ أيضًا، ومعناهُ أنَّهُ تعمَّدَ عدمَ إدخالِ شيءٍ من العُلومِ في كتابِهِ ممّا ليس من أصلِ التَّفسيرِ وليست له علاقةٌ وثيقةٌ به. وهذا ما وقَعَ فيه عامَّةُ مَن صنَّفَ في التَّفسيرِ من المُتأخِّرينَ، فهُم أدخلوا في تفاسيرِهِم كثيرًا جدًّا من الأُمورِ والعُلومِ، وكثيرٌ منهم أدخلَ في تفسيرِهِ العُلومَ الباطلةَ كعلمِ الكلامِ بل بنى تفسيرَهُ عليها وأعرَضَ عن تفاسيرِ السَّلفِ في الجملةِ، كما فعَلَ المتفَلسِفُ محمدُ بنُ عمرَ الرَّازيُّ (ت ٦٠٦هـ)، ولم يذهبْ بعيدًا مَن وصفَ تفسيرَه بقولِه: «فيهِ كلُّ شيءٍ إلَّا التَّفسيرَ».
ويُستفادُ منه أيضًا أنَّ «التَّفسيرَ» كان عِلمًا مُحدَّدًا تمامًا في فَهمِ أهلِ العِلمِ في زمنِ المؤلِّفِ المتوفَّى ٣٢٧ هـ، فعرَفوا ما هو منه وما هو خارجٌ عنه، وبناءً على ذلك أخرجَ المؤلِّفُ أشياءَ عن كتابِهِ ليست من عِلمِ التَّفسيرِ. ويُعرَفُ من قولِهِ أيضًا ما هو التَّفسيرُ على فَهمِ السَّلفِ، فهو ما أدخلهُ ابنُ أبي حاتمٍ في تفسيرِهِ، فمَن نظرَ فيه عرفَ ما هو التَّفسيرُ في فَهمِ السَّلفِ. ↩
- قولُهُ «مُتَقَصِّينَ»، وفي بعضِ الطَّبَعاتِ والنُّسَخِ: «مُتَقَصِّيًا»، قال أبو عمرٍو الشَّيبانيُّ في كتابِ «الجيمِ»: «والتَّقَصِّي الطَّلَبُ»، والجوهريُّ في «الصِّحاحِ»: «ونزَلْنا منزلًا لا يُقصِيهِ البصَرُ، أي لا يَبلُغُ أقصاهُ. واستقصَى فلانٌ في المسألةِ وتَقصَّى بِمعنًى»، فالمرادُ أنَّهُ ذهبَ إلى أقصى الأمرِ في البحثِ والسُّؤالِ ونحوِ ذلك، و«استقصَى» كثيرٌ في كلامِهم قديمًا، وهو أكثرُ استعمالًا من «تقصَّى». وليس قولُهُ من «القَصَصِ»، وإن كان «القصَصُ» في المعنى مناسبًا هنا لأنَّ معناهُ الاتِّباعُ، من قولِهِم: «قصَّ يَقُصُّ قصَصًا»، واللهُ أعلمُ. ↩
- في ذلك أنَّ المؤلِّفَ حاولَ أن يُخرِجَ لكلِّ آيةٍ أو عبارةٍ أو كلمةٍ من القرآنِ تفسيرًا إذا كان عندَهُ شيءٌ فيه، فكان كما ذكَرَ قبلَ ذلك أنَّهُ ذهبَ في جمعِ التَّفسيرِ إلى أقصى ما يمكنُ له بهذا الاعتبارِ. ↩
- أمَّا «أصحّ الأخبارِ إسنادًا» فقد سبَقَ الكلامُ في المرادِ منه، وأمَّا «أشبَهِها متنًا» فمعناهُ في استعمالِهم أي أمثلُها وأقربُها وأوجَهُها، والله أعلم، وكأنَّهُ يُريدُ اقتصارَهُ على المتونِ الَّتي يَتمُّ بها المقصودُ من البيانِ وتكونُ واضحةً فيه، وأنَّهُ يتركُ الرِّواياتِ المُختصَرةَ والمتكرِّرةَ. وجاء في بعضِ الطَّبَعاتِ «وأشبَعِها متنًا» - وهذا ما أثبتوهُ في طبعةِ «ابنِ الجوزي» ولم يذكُروا غيرَهُ - ولعلَّ ما أُثبِتَ هاهُنا أوجَهُ وأقرَبُ من حيثُ التَّعبيرِ، وأمَّا «أشبَعُها» فقد يمكنُ إرجاعُهُ إلى المعنى المذكورِ، أي ذِكرُ أتمِّ الرِّواياتِ والاستغناءُ عن غيرِها، واللهُ أعلمُ. ↩