ibnu-musafir.com

منهجُهُ في التَّعامُلِ مع رواياتِ الصَّحابةِ وحذفِ الإسنادِ

فصل من النص الكامل لكتاب «شرح مقدمة تفسير ابن أبي حاتم الرازي» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

فَإِذَا وَجَدْتُ التَّفْسِيرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ أَذْكُرْ مَعَهُ أَحَدًا مِنَ الصِّحَابَةِ مِمَّنْ أَتَى بِمِثْلِ ذَلِكَ21،

وَإِذَا وَجَدْتُهُ عَنِ الصِّحَابَةِ فَإِنْ كَانُوا مُتَّفِقِينَ ذَكَرْتُهُ عَنْ أَعْلَاهُمْ دَرَجَةً بِأَصَحِّ الْأَسَانِيدِ، [وَسَمَّيْتُ مُوَافِقِيهِمْ]22 بِحَذْفِ الْإِسْنَادِ23.

وَإِنْ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ ذَكَرْتُ اخْتِلَافَهُمْ [وَذَكَرْتُ]24 لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِسْنَادًا، وَسَمَّيْتُ مُوَافِقِيهِمْ بَحَذْفِ الْإِسْنَادِ، فَإِنْ لَمْ أَجِدْ عَنِ الصِّحَابَةِ وَوَجَدْتُهُ عَنِ التَّابِعِينَ عَمِلْتُ فِيمَا أَجِدُ عَنْهُمْ مَا ذَكَرْتُهُ مِنَ الْمِثَالِ فِي الصِّحَابَةِ، وَكَذَا أَجْعَلُ الْمِثَالَ فِي أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ. جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِوَجْهِهِ خَالِصًا، وَنَفَعَ بِهِ.

الهوامش

  1. هذا وما بعدَهُ تَبيينٌ منه لشيءٍ من طريقتِهِ في الاختصارِ، فإنَّهُ إذا وجدَ كلامًا للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لم يذكُرْ معه شيئًا من كلامِ الصَّحابةِ وإن كان موافِقًا له استغناءً بتفسيرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. وأمَّا إذا وجدَهُ عن الصَّحابةِ متَّفَقًا عليه عندَهم يكتَفي بأعلى الصَّحابةِ درجةً أي أفضلِهم. وقد يَفهَمُ بعضُ النَّاسِ من قولِهِ «أعلاهم درجةً» أي: أعلى الأسانيدِ درجةً في الصِّحَّةِ، لكن يَبدو لي الأوَّلُ أقربَ، لأنَّهُ قالَ «أعلاهم» ولم يَقُلْ «أعلاها». ولهذا تأثيرٌ حين نحاولُ أن نفهمَ مَنهجَهُ في إيرادِ الرِّواياتِ. فنعم، المؤلِّفُ قالَ مِن قبلُ أَنَّهُ يُورِدُ أصحَّ الأسانيدِ، ولعلَّهُ قصدَ هنا أنَّهُ يختارُ من الصَّحابةِ أفضلَهم وأعلاهم درجةً في العِلمِ والأخذِ منه، ويفعلُ مثلَ ذلك في سائرِ الطَّبقاتِ، واللهُ أعلمُ بمرادِهِ، ولا شكَّ أنَّ فَهمَ مَنهجِهِ بدقَّةٍ يحتاجُ إلى بحثٍ ودراسةٍ مُتأنِّيَةٍ.

    ثمَّ إن كانوا مختلِفينَ يذكُرُ الأقوالَ المختلفةَ منهم. وهذا يدلُّ على أنَّ الصَّحابةَ اختلفوا في التَّفسيرِ، ومعلومٌ أنَّ أكثرَ اختلافِهم في التَّفسيرِ من بابِ التَّنوُّعِ لا التَّضادِّ، ومعناهُ الاتِّفاقُ في الأصلِ وذِكرُ وُجوهٍ مختلفةٍ من هذا الأصلِ وضَربُ أمثلةٍ. لكنَّ هذا لا يَنفي وجودَ اختلافٍ حقيقيٍّ عندَهم، فقد وُجِدَ بلا شكٍّ، إلَّا أنَّهُ قليلٌ إذا قُورِنَ باختلافِهم في فروعِ الأحكامِ، وهذا مرادُ مَن نبَّهَ من السَّلفِ إلى قلَّةِ الخلافِ في التَّفسيرِ. ومن تأمَّل رواياتِ ابنِ أبي حاتمٍ يرى أنَّهُ يَذكُرُ كِلا النَّوعَيْنِ من الاختلافِ، فيذكُرُ أقوالَهم أيضًا إذا لم تختلِفْ في الأصلِ، وكانت وُجوهًا مختلفةً لمعنى واحدٍ.

    ثم بيَّن أنَّهُ عند وجودِ الاختلافِ يذكُرُ إسنادًا واحدًا لكلِّ قولٍ، ويذكُرُ أقوالَ التَّفسيرِ ممَّن يوافِقُ هذا القولَ من السَّلفِ، والفائدةُ في ذلك إظهارُ القائلينَ بكلِّ قولٍ من العلماءِ لزيادةِ معرفةِ الاختلافِ وفَهمِ حقيقتِهِ، واللهُ أعلمُ.

    ثم ذكرَ أنَّهُ فعلَ مثلَ ذلك بأقوالِ التَّابعينَ وأتباعِ التَّابعينَ إذا لم يجدْ قولًا أسبقَ من قولِهم، وألحَقَ بهم في ذلك جيلًا آخرَ وهم تَبَعُ أتباعِ التَّابعينَ أي الآخِذونَ عن أتباعِ التَّابعينَ. وكلمةُ «تابعٌ» تُجمَعُ على «تابعونَ وأتباعٌ وتَبَعٌ» وَيُذكرُ أيضًا «تَبَعَةٌ وتُبَّعٌ وتُبّاعٌ» لكنْ هذه أقلُّ ولا تُذكرُ عمومًا في المعاجمِ القديمةِ على ما رأيتُ، ذكرَها ابنُ منظورٍ في «لسانُ العربِ»، واللهُ أعلمُ.

  2. بياضٌ في الأصلِ، أكملَهُ المُحقِّقُ هكذا، واستندَ في التَّكميلِ إلى ما يأتي من الكلامِ المشابِه لهذا الموضعِ قريبًا، فهو مناسبٌ وقريبٌ.
  3. قولُهُ «بحذفِ الإسنادِ»: عادةُ أهلِ الحديثِ في القُرونِ الأُولى أن يَروُوا الأحاديثَ بأسانيدِها، وبدأ بعضُهُم يحذِفونَ الأسانيدَ عندَ الحاجةِ كما فعَلَ المُصنِّفُ هنا لِئلَّا يطولَ الكتابُ، ولو لم يفعَلْ لطالَ الكتابُ جدًّا. وحذفُ الإسنادِ لم يُشكِلْ على المُحدِّثينَ في ذاكَ الزَّمنِ لأنَّ مَن طلَبَ الإسنادَ وجَدَهُ لتوفُّرِ الأسانيدِ عندَهم، وكانت لديهم معرفةٌ بالأسانيدِ وأحكامِها. ثُمَّ لمَّا قلَّ العِلمُ بالإسنادِ في المتأخِّرينَ أَشكَلَ على كثيرٍ منهم.

    ويَبدُو أنَّ أوَّلَ مَن حذفَ أسانيدَ التَّفسيرِ كلَّها في مُؤلَّفِهِ مقاتلُ بنُ سليمانَ، وهو أوَّلُ مَن وصلَ إلينا منه تفسيرٌ كاملٌ للقرآنِ، فكان في زمنٍ مُبكِّرٍ جدًّا، تُوفِّيَ سنةَ 150 هـ. وأثنَى عددٌ من أئمَّةِ السَّلفِ على علمِهِ في التَّفسيرِ وعلى مضمونِ تفسيرِهِ، مع كونِهم ضَعَّفوهُ في الحديثِ. ومع ذلكَ كان علماءُ في زمانِهِ يَرَونَ عدمَ ذِكرِ الأسانيدِ عندَهُ نَقصًا، كما روى ابنُ عَديٍّ في «الكاملِ» أنَّ عبدَ اللهِ بنَ المباركِ لمَّا سُئِلَ عن تفسيرِ مقاتلٍ قالَ: «يا لَهُ مِنْ عِلْمٍ لو كانَ له إسنادٌ».

    ومعرفةُ الإسنادِ لا شكَّ في أهمِّيَّتِها عُمومًا، فلا بُدَّ أن يكونَ في المسلمينَ كفايةٌ ممَّن له عِلمٌ شاملٌ بالأسانيدِ. ومع ذلكَ فهو من أصعبِ العُلومِ الإسلاميَّةِ، ولا يُحسِنُ تعلُّمَهُ في أغلبِ الحالاتِ إلَّا مَن تقدَّمَ في العِلمِ. ولذلكَ لا بُدَّ أن يُراعَى أنَّ عامَّةَ النَّاسِ لا يقدِرونَ على تعلُّمِ الإسنادِ في الجملةِ، ومع ذلكَ يجبُ أن يتعلَّموا السُّنَّةَ والتَّفسيرَ وما رُوِيَ من الدِّينِ بالإسنادِ، فيكونُ في حذفِ الإسنادِ تيسيرٌ كبيرٌ لهم إذا وقعَ من جهةِ عالمٍ مأمونٍ شُهِدَ بصحَّةِ ما جمعَهُ من المتونِ.

    وحتى في زمنِ المؤلِّفِ كان كثيرٌ من النَّاسِ هكذا، ولم يكن كلُّ أحدٍ طالبَ عِلمٍ، ولذلكَ توجَّهَ بعضُهم إلى ابنِ أبي حاتمٍ بهذا الطَّلبِ، إذْ يُفهَمُ من طلبِهم أنَّ كثرةَ الأسانيدِ وتعدُّدَ الرِّواياتِ كلَّ ذلكَ أَشكَلَ على كثيرٍ منهم، واللهُ تعالى أعلمُ، فليُتنبَّهْ. بل أَشكَلَتْ معرفةُ الأسانيدِ عُمومًا على كثيرٍ ممَّن لم يتخصَّصْ في عِلمِ الإسنادِ من أهلِ العِلمِ السَّابقينَ، وإنْ كانوا مُعتَمَدينَ في مجالاتِهم الَّتي ركَّزوا عليها، ومرَّتْ في هذه الرِّسالةِ أمثلةٌ لذلك، ومنهم مقاتلُ بنُ سليمانَ.

    هذا، ولا يُقالُ إنَّ حذفَ الإسنادِ مشكلةٌ أصليَّةٌ في تدوينِ التَّفسيرِ أدَّت إلى ضَعفِهِ كما يقولُ ذلكَ بعضُ المُعاصِرينَ، بل التَّفسيرُ وما يُشبِهُهُ من العُلومِ توارثَهُ علماءُ السَّلفِ ودَوَّنوهُ في كُتُبِهِم على هذه الطَّريقةِ المعهودةِ، فهُم عرَفوا هذه التَّفاسيرَ عمومًا وكانت عندَهُم مُنتشرةً وتدارَسُوها جيلًا بعد جيلٍ وشَهِدوا بصِحَّتِها إن كانت معروفةً بذلك عندَهم، وإن كانت أسانيدُ التَّفسيرِ ليست بقوَّتِها في العُلومِ الأُخرى. وكذلكَ سبقتِ الإشارةُ إلى أنَّ التَّفسيرَ رُوِيَ كثيرٌ منه في صَحائفَ تداوَلَها العلماءُ في زمنِ السَّلفِ.

  4. بياضٌ في الأصلِ، أكملَهُ المُحقِّقُ.