ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١٠): معرفةُ مشركِي العربِ والعجمِ معنَى الشّهادةِ وفهمُهم لِما خاطبَهم به الأنبياءُ عليهم السلام

«فصل» (١): المشركونَ فهِمُوا معنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عندما دعاهم الأنبياءُ إلى الإسلامِ

يتّضحُ مِن آياتٍ كثيرةٍ في القرآنِ أنّ المشركينَ أنفسَهم فهِمُوا مِن قولِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وجوبَ البراءةِ مِنَ المشركينَ، لأنّهم فهِمُوا معنَى رسالةِ الأنبياءِ أيْ: فهِمُوا الإسلامَ العامَّ والخطابَ الموجَّهَ إليهم.

كما قال تعالَى عن نُوحٍ عليه السلام: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ٥٩﴾ [الأعراف: ٥٩]

وقال عن قومِه: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ٢٣﴾ [نوح: ٢٣]

ممّا يدلُّ دلالةً واضحةً على أنّهم فهِمُوا معنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وأنّ المطلوبَ مِنهم تركُ الآلهةِ مطلَقًا وإفرادُ اللَّهِ تعالَى بالعبادةِ لأنّ اللَّهَ وحدَه يستحقُّ العبادةَ. فلا بدَّ لكلِّ عاقلٍ أن يُقِرَّ أنّ المشركينَ فهِمُوا أنّ كلَّ مَن يَقبلُ هذه الشّهادةَ فيُحقِّقُها عِلمًا وعملًا ليس مِنهم، بل خرجَ مِن دِينِهم خروجًا تامًّا إلى دِينٍ آخرَ جديدٍ.

ومعنَى ذلك أنّهم فرّقُوا تفريقًا بيِّنًا بينَ الشّركِ والإسلامِ وبينَ المشركِ والمسلمِ، هذا مع أنّهم لم يَقبلُوا الإسلامَ لأنفسِهم! فالعجيبُ أنّ مِنَ المنتسِبينَ إلى الإسلامِ اليومَ بل مِنَ المتصدِّرينَ لتدريسِه مَن لا يَفقهُ هذا الأمرَ فيَظنُّ أنّ مَن يَفعلُ الشّركَ الأكبرَ الصّريحَ المجمَعَ على كونِه شركًا أكبرَ قد يكونُ مِنَ المسلمينَ محقِّقًا لحقيقةِ الإسلامِ!

وقال تعالَى عن هُودٍ عليه السلام: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ٥٠﴾ [هود: ٥٠]، وقال عن قومِه: ﴿قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ٥٣﴾ [هود: ٥٣]. ومِثلُ هذا في القرآنِ كثيرٌ جدًّا.

وكلُّ المرسَلينَ قالوا لأقوامِهم ما حكاه اللَّهُ عنهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥؛ هود: ٥٠، ٦١، ٨٤؛ المؤمنون: ٢٣، ٣٢]، فأجابَ قومُ هُودٍ: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠]. وقد سبقَ الكلامُ على ما أجابَ به المشركونَ لمّا دُعُوا إلى التّوحيدِ، مع بيانِ الطَّبَرِيِّ لذلك(١).

وقال مشركُو قُرَيْشٍ لمّا دعاهم النّبيُّ ﷺ: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ٥﴾ [ص: ٥]

٨٤ - ورَوَى الطَّبَرِيُّ فيها: «عَنْ قَتَادَةَ، ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ٥﴾ [ص: ٥] قَالَ: «عَجِبَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ، وَقَالُوا: يَسْمَعُ لِحَاجَاتِنَا جَمِيعًا إِلَهٌ وَاحِدٌ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ»». [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)]

فقد رأيتَ كيف ساقَ الرّوايةَ ويراها موافِقةً لبيانِه السّابقِ. قَصدَ المشركونَ: «كيف نتوجّهُ جميعًا إلى اللَّهِ، بل يجبُ أن نَرفعَ طلباتِنا إلى الآلهةِ وهي تَشفعُ لنا عند اللَّهِ وتَرفعُ طلباتِنا إليه»، وبيانُ ذلك مِن عدّةِ وجوهٍ في هذا الكتابِ الذي بين يدَيِ القارئِ.

٨٥ - ثمّ ساقَ الطَّبَرِيُّ روايةً أخرَى: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ يَشْتُمُ آلِهَتَنَا، وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ، وَيَقُولُ وَيَقُولُ، فَلَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَنَهَيْتَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ،

فَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ الْبَيْتَ، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِسِ رَجُلٍ، قَالَ: فَخَشِيَ أَبُو جَهْلٍ إِنْ جَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَجِدْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ، فَجَلَسَ عِنْدَ الْبَابِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: أَيِ ابْنَ أَخِي، مَا بَالُ قَوْمِكَ يَشْكُونَكَ؟

يَزْعُمُونَ أَنَّكَ تَشْتُمُ آلِهَتَهُمْ، وَتَقُولُ وَتَقُولُ، قَالَ: فَأَكْثَرُوا عَلَيْهِ الْقَوْلَ، وَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا عَمِّ إِنِّي أُرِيدُهُمْ عَلَى كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يَقُولُونَهَا، تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ، وَتُؤَدِّي إِلَيْهِمْ بِهَا الْعَجَمُ الْجِزْيَةَ»،

فَفَزِعُوا لِكَلِمَتِهِ وَلِقَوْلِهِ، فَقَالَ الْقَوْمُ: كَلِمَةً وَاحِدَةً؟ نَعَمْ وَأَبِيكَ عَشْرًا، فَقَالُوا: وَمَا هِيَ؟ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَأَيُّ كَلِمَةٍ هِيَ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»، قَالَ: فَقَامُوا فَزِعِينَ يَنْفُضُونَ ثِيَابَهُمْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ٥﴾ [ص: ٥] قَالَ: وَنَزَلَتْ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ ٨﴾ [ص: ٨]» [تفسيرُ الطَّبَرِيِّ (ت ٣١٠هـ)، وبمِثلِه عند ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فيما نقلَه السُّيُوطِيُّ في «الدّرِّ المنثورِ»](٢)

فتبيّنَ أنّ المشركينَ مِنَ العربِ فهِمُوا معنَى الشّهادةِ تمامَ الفهمِ لمّا خُوطِبُوا بها، لأنّهم تعجّبُوا مِن مُحَمَّدٍ ﷺ أنّه جَعلَ الآلهةَ المعبودةَ عندهم معبودًا واحدًا، وهذا يدلُّ قطعًا على أنّهم فهِمُوا ما خاطبَهم به النّبيُّ ﷺ، فعَلِمُوا معنَى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.

الهوامش

  1. انظرِ البابَ (٣) «معنَى الإلهِ ومعنَى شهادةِ الإسلامِ»، الفصلَ (٢) «أَمْرُ الأنبياءِ أقوامَهم بتوحيدِ العبادةِ وفَهْمُ المشركينَ لهذا الخطابِ في قولِهم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾». ↩
  2. رواه التِّرْمِذِيُّ وقال: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، ورواه أيضًا أَحْمَدُ في «المسندِ»، والنَّسَائِيُّ في «السّننِ الكُبرى»، والْحَاكِمُ في «المستدرَكِ». وأوّلُه عند أكثرِهم: «مَرِضَ أَبُو طَالِبٍ». ↩