ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١٤): الإسلامُ هو الإخلاصُ والحنيفيّةُ وملّةُ إِبْرَاهِيمَ والكفرُ بالطّاغوتِ، والمشركُ لا يُحقِّقُ شيئًا مِن ذلك

«فصل» (٧): معنَى كلمةِ الشِّركِ

في الفصولِ السّابقةِ تجلَّى مِنَ النّظرِ في كلمتَيِ الإسلامِ والمسلمِ معنَى الإسلامِ، وأنّه لا يقعُ على مشركٍ مطلَقًا. وكذلك يتبيّنُ معنَى الإسلامِ بفهمِ كلمتَيِ الشّركِ والمشركِ. لا حاجةَ إلى إعادةِ ذِكرِ أنّ الشّركَ ضدُّ الإسلامِ والإخلاصِ والحنيفيّةِ وملّةِ إِبْرَاهِيمَ.

وكما أنّ الإسلامَ ليس لفظًا مجرَّدًا لا معنَى له فكذلك الشّركُ له معنًى وحقيقةٌ يتبيّنُ بهما أنّ المشركَ لا يكونُ مسلمًا بحالٍ. و«إسلامٌ» و«مسلمٌ» و«شركٌ» و«مشركٌ» أسماءٌ شرعيّةٌ لها دلالتُها، ولها أحكامٌ تنقسِمُ إلى أحكامِ الدّنيَا وأحكامِ الآخرةِ.

فالإسلامُ اسمٌ يدلُّ على أوصافٍ معيَّنةٍ إذا قامتْ بالمرءِ كان مسلمًا، وكذلك الشّركُ. والمسلمُ والمشركُ في ذلك كالآكلِ والشّاربِ والماشِي والرّاكبِ.

كلُّ هذه الأسماءِ لها حقيقةٌ إذا لم تتحقّقْ في شخصٍ لا يُخالِفُ عاقلٌ في أنّه لا يُسمَّى بها. وهكذا يتبيّنُ مرّةً أخرَى أنّه لا تأثيرَ لكونِ الشّخصِ عالمًا بحقيقةِ فِعلِه أو جاهلًا بها، فإمّا أن تُوجَدَ فيه هذه الحقيقةُ وإمّا ألّا تُوجَدَ، عَلِمَ ذلك أو جَهِلَه.

وكذلك السّارقُ يُسمَّى سارقًا إذا تحقّقتْ فيه حقيقةُ السّرقةِ، سواءٌ أَعَلِمَ حُكمَ هذا الفِعلِ في الإسلامِ أم لم يَعلمْه. وأمّا السّؤالُ: هل يَلحَقُه حُكمُ السّرقةِ أو يُعذَرُ بجهلِه؟ فتلك مسألةٌ غيرُ هذه، لا تُغيِّرُ مِن وجودِ حقيقةِ السّرقةِ شيئًا. وقد ظهرَ اليومَ أناسٌ إذا قِيلَ لهم: «فلانٌ سارقٌ» يقولونَ: «لا تقُلْ سارقٌ، إنّه كان جاهلًا بحُرمةِ السّرقةِ» للدّفاعِ عن أصلِهم الباطلِ، مخالِفينَ للُّغةِ والشّرعِ والعقلِ.

ومِثلُه في هذا مَن كان مشركًا، فإنّ مَن فعَلَ الشّركَ الأكبرَ سُمِّيَ مشركًا لوجودِ حقيقةِ الشّركِ فيه، ولا يُمكِنُ أن يُسمَّى مسلمًا لأنّه ليس بمسلمٍ في شيءٍ، إذ حقيقةُ الإسلامِ لم تتحقّقْ فيه أصلًا. وهؤلاء يتصوّرونَ مسلمًا مشركًا، لكنّ بعضَهم مِن جهلِهم بأوضحِ ما في اللُّغةِ إذا قِيلَ لهم ذلك يُنكِرونَه ويقولونَ: «نحنُ نُقِرُّ بأنَّ هذا المسلمَ فَعَلَ الشّركَ الأكبرَ، لكنَّه ليس مشركًا».

لكنّ لفظَ «مُشْرِكٌ» في لغةِ العربِ هو اسمُ الفاعلِ مِن «أَشْرَكَ»، واسمُ الفاعلِ فيه معنَى الفِعلِ، ولذلك جازَ أن يُوضَعَ موضعَ الفِعلِ وأن يَعملَ عملَه في الجملةِ.

١٥٠ - قال سِيبَوَيْهِ في «الكتابِ»: «هَذَا بَابٌ مِنِ اسْمِ الْفَاعِلِ الَّذِي جَرَى مَجْرَى الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ فِي الْمَفْعُولِ فِي الْمَعْنَى، فَإِذَا أَرَدْتَ فِيهِ مِنَ الْمَعْنَى مَا أَرَدْتَ فِي يَفْعَلُ كَانَ نَكِرَةً مُنَوَّنًا، وَذَلِكَ قَوْلُكَ: هَذَا ضَارِبٌ زَيْدًا غَدًا، فَمَعْنَاهُ وَعَمَلُهُ مِثْلُ: هَذَا يَضْرِبُ زَيْدًا غَدًا». [الكتابُ، لِسِيبَوَيْهِ (ت ١٨٠هـ)]

فيجوزُ أن يُقالَ: «زَيْدٌ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا»، كما يجوزُ أن يُقالَ: «زَيْدٌ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ شَيْئًا»، لا فرقَ بينَهما في أصلِ المعنَى، كما في قولِك: «زَيْدٌ يَشْرَبُ خَمْرًا» و«زَيْدٌ شَارِبٌ خَمْرًا». فـ«شَيْئًا» و«خَمْرًا» في الجملتَينِ مفعولٌ إمّا للفِعلِ أو لاسمِ الفاعلِ الذي يَعملُ في المفعولِ عملَه اللّغويَّ. فكيف يأتِي الآنَ شخصٌ ويقولُ «زَيْدٌ يَشْرَبُ خَمْرًا ...» - فيُقِرُّ بتحقُّقِ شربِه للخمرِ -، «... إلّا أنّه ليس شاربًا للخمرِ، لأنّه جاهلٌ والجاهلُ معذورٌ»؟

أمّا الصّوابُ في مِثلِ هذا فهو أن يُقالَ: «زيدٌ شرِبَ خمرًا، إلّا أنّه جهِلَ حُرمةَ شُربِ الخمرِ جهلًا معتبَرًا، فلا يُعاقَبُ لجهلِه». أي: تحقّقتْ فيه حقيقةُ الشّربِ فهو شاربٌ بلا شكٍّ، لكنّ حُكمَ الشّربِ يتخلّفُ بسببِ الجهلِ.

فأهلُ هذه البدعةِ يُقِرُّونَ بأنّه أَشركَ باللَّهِ غيرَه، فقد أَقامُوا الحجّةَ على أنفسِهم، إذ كفَى أن يُقالَ لهم: «فهو مشركٌ باللَّهِ غيرَه إذًا؟»، فإن أَنكرُوه فقد خالفُوا اللُّغةَ والشّرعَ والعقلَ السّليمَ.

فظهرَ جليًّا تناقضُهم في تصوُّرِ مسلمٍ مشركٍ باللَّهِ. وعلى ما سبقَ مِن أصولِ العربيّةِ الظّاهرةِ جرَى قولُ الطَّبَرِيِّ في النّقلِ المذكورِ مِن قبلُ(١): «بَلْ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ، فَهُمْ بِجَهْلِهِمْ بِذَلِكَ يَعْبُدُونَ آلِهَةً شَتَّى مِنْ دُونِ اللَّهِ».

فقد استعملَ اسمَ الفاعلِ على نحوِ ما سبقَ بيانُه، وعلى قولِ أهلِ هذه البدعةِ يجوزُ أن يكونَ الطَّبَرِيُّ أرادَ بقولِه «الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ»: «المسلمِينَ المشرِكِينَ باللَّهِ»، وأرجُو أنّ مَن كانت له بقيّةُ عقلٍ لا يلتزمُ مِثلَ هذا.

فالمدافِعونَ عن هذا القولِ الباطلِ لا بدَّ أن يَسألُوا أنفسَهم: أيصحُّ أن يُقالَ في مسلمٍ:

•مشرِكٌ باللَّهِ إلهًا آخرَ،

•عابدٌ مع اللَّهِ إلهًا آخرَ،

•متّخِذٌ مع اللَّهِ إلهًا آخرَ،

•عادلٌ بربِّه إلهًا آخرَ؟