ibnu-musafir.com

مِن كتابِ «فِي بَيَانِ مَعْنَى الْإِسْلَامِ» · قراءة الكتاب بصيغة PDF

«باب» (١٤): الإسلامُ هو الإخلاصُ والحنيفيّةُ وملّةُ إِبْرَاهِيمَ والكفرُ بالطّاغوتِ، والمشركُ لا يُحقِّقُ شيئًا مِن ذلك

«فصل» (٥): الإسلامُ هو الكفرُ بالطّاغوتِ والمشركُ لا يُحقِّقُ ذلك

المسلمُ لا بدَّ أن يتبرّأَ مِن كلِّ ما عُبِدَ مِن دونِ اللَّهِ، أي: لا بدَّ مِن أن يَكفرَ بالطّاغوتِ(١). ولذلك جعلَ أهلُ العِلمِ الكفرَ بالطّاغوتِ شرطًا مِن شروطِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ(٢). المشركُ لم يُحقِّقِ الكفرَ بالطّاغوتِ لأنّه يَعبدُه والكفرُ به هو تركُ عبادتِه والكفرُ بها، فمِنَ المُحالِ أن يُدَّعَى أنّ إنسانًا ما عابدٌ للَّهِ وحدَه لا شريكَ له ومع ذلك لم يَتركْ عبادةَ المعبوداتِ مِن دونِ اللَّهِ.

ويَظهرُ هنا مرّةً أخرَى أنّه لا تأثيرَ البتّةَ لكونِ هذا المشركِ عالمًا بحقيقةِ حالِه أو جاهلًا بها، بل مَن لم يَكفرْ بالطّاغوتِ يستحيلُ إسلامُه، عالمًا كان أو جاهلًا.

بل في مجرَّدِ احتجاجِ المخالِفِ بالجهلِ حجّةٌ أخرَى عليه، إذ هو يَعذِرُ المشركَ بجهلِه لحقيقةِ الإسلامِ والشّركِ، فكيف يكونُ مسلمًا مَن جهِلَ حقيقةَ الإسلامِ والشّركِ؟ وكيف يَشهدُ بشهادةِ التّوحيدِ مَن لم يَفهمْ معناها؟

فثبتَ أنّ مَنِ ادّعَى وجودَ مسلمٍ يَعبدُ غيرَ اللَّهِ فقد قال بوجودِ إنسانٍ كفَرَ بعبادةِ الطّاغوتِ وفي الوقتِ نفسِه عبَدَ الطّاغوتَ! وقد رَوَى مُسْلِمٌ أنّ الإسلامَ بُنِيَ «عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ»، وفي روايةٍ: «عَلَى أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَيُكْفَرَ بِمَا دُونَهُ»(٣)، والمشركُ لا يُحقِّقُ ذلك بحالٍ.

١٤٩ - ورَوَى مُسْلِمٌ: «عَنْ أَبِي مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ»».

وفي روايةٍ له: «أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ وَحَّدَ اللَّهَ»، ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ». [صحيحُ مُسْلِمٍ (ت ٢٦١هـ)]

في كِلا الحديثَينِ جعلَ التّوحيدَ مقرونًا بالكفرِ بالطّاغوتِ وفي معناه. فكيف يُقالُ فيمَن طلبَ الرِّزقَ مِن أحدِ الأمواتِ مِن دونِ اللَّهِ تعالَى: إنّه قد كفَرَ بالطّاغوتِ، والمرادُ بالكفرِ بالطّاغوتِ إنّما هو الكفرُ بعبادةِ ما يُعبَدُ مِن دونِ اللَّهِ؟

الهوامش

  1. الكفرُ بالطّاغوتِ ومعناه بابٌ عظيمُ الشّأنِ، يتّضحُ به معنَى الإسلامِ شيئًا بعدَ شيءٍ، وتنكشفُ به تفاصيلُ تَمنعُ المرءَ، بعونِ اللَّهِ وتوفيقِه، مِنَ الوقوعِ في الإفراطِ والتّفريطِ، فلا بدَّ مِن بحثِه بحثًا مفرَدًا مِنَ الكتابِ والسّنّةِ على طريقةِ أهلِ الأثرِ. فأسألُ اللَّهَ أن يُعينَ على تحقيقِ هذا المرادِ، آمينَ. وانظرِ البابَ (٨) «في أنّ الإسلامَ هو الإيمانُ باللَّهِ والكفرُ بالطّاغوتِ وهو الكفرُ بعبادةِ غيرِ اللَّهِ». ↩
  2. انظرِ البابَ (٤)، الفصلَ (٤) «في أنّ للشّهادةِ شروطًا». ↩
  3. وسيأتي في أوّلِ البابِ (١٥). ↩